‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد الفاتح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمد الفاتح. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 22 أبريل 2013

حين حكم القاضي بقطع يد الفاتح

بسم الله الرحمن الرحيم
أمر السلطان "محمد الفاتح" ببناء أحد الجوامع في مدينة "إسطنبول"، وكلّف أحد المعماريين الروم واسمه "إبسلانتي" بالإشراف على بناء هذا الجامع، إذ كان هذا الرومي معماريًا بارعًا. وكان من بين أوامر السلطان: أن تكون أعمدة هذا الجامع من المرمر وأن تكون هذه الأعمدة مرتفعة ليبدو الجامع فخمًا، وحدد هذا الارتفاع لهذا المعماري.

ولكن هذا المعماري الرومي - لسبب من الأسباب - أمر بقص هذه الأعمدة ، وتقصير طولها دون أن يخبر السلطان، أو يستشيره في ذلك، وعندما سمع السلطان "محمد الفاتح" بذلك، استشاط غضبًا، إذ أن هذه الأعمدة التي جُلبت من مكان بعيد، لم تعد ذات فائدة في نظره، وفي ثورة غضبه هذه أمر بقطع يد هذا المعماري. ومع أنه ندم على ذلك إلا أنه كان ندمًا بعد فوات الأوان. لم يسكت المعماري عن الظلم الذي لحقه، بل راجع قاضي إسطنبول الشيخ "صاري خضر چلبي" الذي كان صيت عدالته قد ذاع وانتشر في جميع أنحاء الدولة، واشتكى إليه ما لحقه من ظلم من قبل السلطان "محمد الفاتح".

ولم يتردد القاضي في قبول هذه الشكوى، بل أرسل من فوره رسولًا إلى السلطان يستدعيه للمثول أمامه في المحكمة؛ لوجود شكوى ضده من أحد الرعايا. ولم يتردد السلطان كذلك في قبول دعوة القاضي، فالحق والعدل يجب أن يكون فوق كل سلطان. وفي اليوم المحدد حضر السلطان إلى المحكمة، وتوجه للجلوس على المقعد. قال له القاضي : "لا يجوز لك الجلوس يا سيدي بل عليك الوقوف بجانب خصمك". وقف السلطان بجانب خصمه الرومي الذي شرح مظلمته للقاضي، وعندما جاء دور السلطان في الكلام، أيدَّ ما قاله الرومي.
وبعد انتهاء كلامه وقف ينتظر حكم القاضي، الذي فكر برهة ثم توجه إليه قائلاًَ: "حسب الأوامر الشرعية ، يجب قطع يدك أيها السلطان قصاصاً لك" !!

ذهل المعماري الرومي ، وارتجف دهشة من هذا الحكم الذي نطق به القاضي، والذي ما كان يدور بخلده أو بخياله لا من قريب ولا من بعيد، فقد كان أقصى ما يتوقعه أن يحكم له القاضي بتعويض مالي، أما أن يحكم له القاضي بقطع يد "محمد الفاتح" فاتح "القسطنطينية" الذي كانت دول أوروپا كلها ترتجف منه رعبًا، فكان أمراً وراء الخيال.

وبصوت ذاهل، وبعبارات متعثرة قال الرومي للقاضي ، بأنه يتنازل عن دعواه ، وأن ما يرجوه منه هو الحكم له بتعويض مالي فقط، لأن قطع يد السلطان لن يفيده شيئاً، فحكم له القاضي بعشر قطع نقدية لكل يوم طوال حياته؛ تعويضاً له عن الضرر البالغ الذي لحق به. ولكن السلطان "محمد الفاتح" قرر أن يعطيه عشرين قطعة نقدية كل يوم؛ تعبيراً عن فرحه لخلاصه من حكم القصاص، وتعبيرًا عن ندمه كذلك.

المصدر: روائع من التاريخ العثماني، أورخان محمد علي، دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2007 . 

الاثنين، 15 أبريل 2013

الفاتح واغتصاب القسطنطينية

بسم الله الرحمن الرحيم

هناك بعض المزاعم التي تتردد وقرأتها من قبل لكاتبين وروائين ومؤرخين، وكذلك الشاهد الإيطالي الذي عاصر الفتح و يُدعى بـ "نيقولو باربارو" من كون الفاتح بعد فتحه للقسطنطينية، قد أباحها لجنوده لمدة ثلاثة أيام، حيث أحدثوا فيها مذبحة و أخربوها وانتهكوا أعراض نسائها. والحقيقة تقول أن سلطان مثل السلطان "محمد الفاتح" من الصعب أن يصدق عليه أحد هذا الفرية، فالرجل قد شهد له المنصف من غير المسلمين قبل المسلمين. وللرد على هذا الموضوع بشكل علمي، أقول بأنه حتى المؤرخين البيزنطيين الذين كانوا موجودين في "إسطنبول" عند فتحها، لم يجرؤوا على إطلاق مثل هذه المزاعم؛ لأن محمد الفاتح في فتحه للقسطنطينية وغيرها من المدن، قد التزم بأوامر الشريعة الإسلامية، التي تُحرم على الجيوش الإسلامية أثناء وقت الحروب القيام بتصرفات وأفعال معينة ضد العدو وممتلكاته، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر:

أ- القتل ظلمًا أو بالتعذيب، وقتل غير المشاركين في الحرب من الشيوخ والأطفال والنساء والعبيد والمجانيين ورجال الدين المعتكفين في صوامعهم.
ب- تحريم المثلة، أي يحرم قطع أعضاء الميت من إنسان أو حيوان.
ج- حرق المحاصيل والغابات والأشجار أو قطعها ما لم تكن هناك ضرورة حربية لذلك.
د- الزنى أو أي علاقة غير شرعية.
وقد كانت هذه التعاليم ورعايتها وتطبيقها بدقة والتزامهم بها، من أهم العوامل التي دفعت أجدادنا من نصر إلى نصر، وأن انتصاراتهم كانت متناسبة في التاريخ بمدى التزامهم بهذه القواعد.

والأحكام التي يمنع فيها القتل والتي ذكرتها، هي جزء من أحكام التعامل مع غير المقاتلين في الحرب للقاضي "ملا خسرو" قاضي العسكر في عهد الفاتح. وهل يمكن تصديق مزاعم حرق إسطنبول وتخريبها وقتل من فيها، وإسنادها لأمر سلطاني، كانت الأحكام الواردة في الكتاب، بمثابة قوانين لدولته؟!! إن القول بهذا مثال للزعم المحروم من أي دليل والذي لا ظابط له ولا مصداقية.

إن التاريخ يخبرنا بأن الفاتح في "23 مايو" أي قبل فتح المدينة، قد أرسل للبيزنطيين يخبرهم بأن المدينة ستسقط بعد أول هجوم عام، وأنه إن استسلموا فستسلم أرواحهم وأموالهم، ولن يتعرض لها أحد وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، أما إن فتحت المدينة عنوة فسوف تسيل الدماء ولن يتحمل السلطان المسئولية، ولكن الإمبراطور رفض هذا العرض، وبناء عليه فُتحت المدينة عنوة، ومع ذلك تم معالمتهم كما أسلفنا سابقًا.

وفي النهاية أجد أنه من المستحسن إيراد شهادة ثلاثة جهات مختلفة، وواقعة تاريخية تدل على رحمة السلطان الفاتح عندما فتح المدينة، مع اعطاء من كانوا فيها الأمان على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم.
1- شهادة الفيلسوف الروسي وأحد أبرز المفكرين في القرن العشرين، "أوسبنسكي" Ouspensky والذي قال: "لقد تصرف الأتراك بعد فتح إسطنبول عام 857هـ/1453م بشكل إنساني وبتسامح أكثر بكثير من تفوق الصليبيين عام 600هـ/1204م".

2- شهادة الدكتورة "ماري ملز پاتريك Mary Mills Patrick" الكاتبة الأمريكية في كتابها "صفحات من تاريخ تركيا الإجتماعي والسياسي والإسلامي" وهي تتحدث عن الفاتح: "الواقع أن السلطان محمد قد أظهر تسامحًا عظيمًا مع المسيحين، وليس أدل ما تسامحه معهم قوله لهم: 'انني أقسم بحرمة مساجد الله التي نتعبد بها أن أضمن لكم أن تجتمعوا في كنائسكم للصلاة والتضرع إلى الله'". وتضيف في موقع آخر من الكتاب: "الواقع أن السلطان محمد الفاتح أظهر تسامحًا عظيمًا مع المسيحين، وكان لكل ملة في زمنه رئيس ديني لا يخاطب غير حكومة السلطان مباشرة، ولكل ملة من هذه الملل مدارسها الخاصة، وأماكن للعبادة، وأديرة، كما أنه لم يكن يحق لأحد أن يتدخل في ماليتها، وكانت تُطلق الحرية لكل ملة لتتكلم اللغة التي تريدها".

3- شهادة قناة الـ CNN الأمريكية ومجلة الـ Time عند الحديث عن أهم مائة حادثة في الألف سنة الماضية والذي جاء فيه ذكر أن فتح إسطنبول يعد إحدى هذه الحوادث، فقد جاء فيهما: "كانت إسطنبول قبل فتحها من قبل الفاتح مدينة خربة ميتة، وبعد الفتح أصبحت هذه المدينة مدينة عامرة ومركزًا للتجارة للبلدان الأوروپية والبلدان الإسلامية على السواء".

أما شهادة التاريخ فتحكي لنا بأن الفاتح عندما قام بفتح القسطنطينية، لم يقم بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد بالقوة، بل حفاظًا على مشاعر المسيحين في المدينة عمل على شرائها من ماله الخاص، كما أنه أمر بعدم إزالة "نقوش الموزائيك المسيحية" منها، بل طلب أن تُغطى فقط، كما أنه لم يهدم سور المدينة وتركه بعد الدخول كما هو. وهذا كله يوضح أسلوب الفاتح في تعامله مع الأمور.


المصدر: الدولة العثمانية المجهولة، 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية، أحمد آق گوندوز، سعيد أوزتورك، وقف البحوث العثمانية، 2008

الأربعاء، 10 أبريل 2013

هل مات الفاتح بالسم؟

بسم الله الرحمن الرحيم
الكثير والكثير جدًا من الناس يعرف أن سبب موت الفاتح هي هذه القصة: أن طبيبه اليهودي يعقوب پاشا قام بوضع السم له وهو على مشارف إيطاليا لفتحها.
هذه المعلومة المغلوطة السبب فيها هو مستشرق ألماني يُدعى "فرانتس
بابنگر" حيث قام هذا الرجل في عام 1953 بنشر كتاب له بعنوان "السلطان محمد الفاتح وعصره"، وذكر فيه هذه القصة.
والحقيقة أن سبب الموت الذي ذكره هذا المستشرق ليس بصحيح، فكان ادعاءه لموت الفاتح بهذه الطريقة هي نتيجة ترجمة تعسفية لكلمة تركية جاءت في نص في تاريخ المؤرخ "عاشق پاشا زاده" المسمى "تواريخ آل عثمان"، في الفصل الخاص بمرض السلطان محمد الفاتح الذي أدى إلى وفاته.
والعبارة المقصودة هنا هي كالتالي: " اتفق الأطباء -أي أطباء السلطان- على إعطائه (شراب فارغ)، وكان مجلس أطباء السلطان يضم فيمن يضم يعقوب پاشا اليهودي "المهتدي"، ولم يكن الپاشا هذا من النفوذ بحيث ينفرد بالرأي في المجلس، وضعت الكلمة التي تعسف
بابنگر بترجمتها كما هي من النص التركي، حيث يقول  بأن هذه الكلمة تعني "السم"، مع أنها في الحقيقة تعني "الدواء المقيئ" بمعنى الدواء الذي يفرغ المعدة مما بها من أكل وما شابهه.

ولكن ما غرض
بابنگر من هذا الادعاء بترجمة هذه الكلمة على هذا النحو؟
كان يقصد هذا المستشرق من هذا الادعاء أن يجر الرأي العام العالمي عامة والتركي خاصة إلى طرح مسألة موت الفاتح بالسم ومناقشتها، ولما كان من المعروف تاريخيًا أن السلطان "محمد الفاتح" -جريًا على العادة التركية في ذلك الزمان- قد أقام جامعه فوق مقبرة بيزنطية، فإن معنى تحليل رفاته أن يشمل ذلك حفرًا سيجر بالتالي إلى عملية تنقيب التربة ويمتد الأمر إلى المقبرة البيزنطية القديمة -حيث أن الضريح بجوار المسجد- وبالتالي سيتحول جامع السلطان محمد الفاتح -بحكم قانون الآثار التركية- إلى منطقة أثرية ومتحف، وبالتالي كان لابد أن يغلق تمامًا أمام المصلين وتمنع فيه الصلاة.

فطن المؤرخ التركي "شهاب الدين تكين داگ" إلى حملة بابن
گر على "الفاتح"، فقام هذا الرجل القدير في أثناء احتدام المناقشة في الصحف والمجلات والندوات بالرد عليه من خلال بحثه الشهير "قضية موت الفاتح"، أشار فيه أن بابنگر اعتمد في ادعائه هذا على "عاشق زاده" وهو مؤرخ عثماني أتى بعد فتح القسطنطينية بواحد وثمانين عامًا، وأن هذا الرجل لم يأتي بجديد في هذه القضية والتي أجمع فيها المؤرخين العثمانيين والأجانب في ذلك الوقت أن سبب موت الفاتح هو "مرض النقرس"، وهو المرض الذي أصاب كثير من السلاطين العثمانيين كان آخرهم السلطان "عبد الحميد الثاني" رحمه الله.

فند "شهاب الدين" تعسف بابن
گر في ترجمته الخاطئة للكلمة، ودحضه من وجهتي نظر لغوية وتاريخية، ثم أثبت فشل زعم بابنگر في مسألة تسمم الفاتح وفضح نواياه؛ فاستطاع إيقاف الحملة الشرسة العالمية على السلطان رحمه الله.

فكما لم ينس بعض رجال الغرب موقف صلاح الدين من فتح القدس، ما زال بعضهم لا يسنى الفاتح وفتحه للقسطنطينية، فما زال يوم 29 مايو من كل عام هوا يوم حزن عند بعض رجال الدين الغربيين، وهو يوم فتح القسطنطينية. 


المصدر: العثمانيون في التاريخ والحضارة، محمد حرب، المركز المصري للدراسات العثمانية وبحوث العالم التركي، القاهرة، 1994.

الثلاثاء، 9 أبريل 2013

محمد الفاتح وشراء آيا صوفيا

بسم الله الرحمن الرحيم

كثيرا ما قيل بأن الفاتح قام بالدخول إلى "القسطنطينية" بعد الفتح وأباحها لجنوده ثلاثة أيام وقتل من فيها و يوجد الكثير من هذا الكلام الذي لا أصل له من الصحة، ومن ضمن مجموعة الادعاءات هذه هي تحويل الفاتح لكنسية "آيا صوفيا" بالقوة إلى "جامع" ضمن الأعمال العنيفة التي حدثت عند دخوله المدينة، والحقيقة التاريخية تثبت غير هذا الكلام، فعندما دخل الفاتح المدينة وكان يوم "ثلاثاء"، أعطى لأهلها الأمان على أموالهم وأرواحهم وأديناهم يمارسونها كما يشاءون، وكان لابد للمسلمين في المدينة من "جامع" ليصلوا فيه "الجمعة" التي تلت الفتح، فلم يسعف الوقت من تشييد جامع جديد في هذه المدة الزمنية الضئيلة، فأمر السلطان بتحويل "آيا صوفيا" إلى جامع، ثم بعد ذلك قام بشرائها بالمال، وأمر كذلك بتغطية رسومات الموزائيك الموجودة بداخلها ولم يأمر بإزالتها؛ حفاظًا على مشاعر المسيحين، وما زالت الرسومات موجودة بداخلها إلى الآن.
صور الوقفية التي أشتراها الفاتح موجود منها أجزاء على الشبكة، ولكنها ليست كاملة وهي لحسن الحظ بالعربية:
الصورة الأولى من الوقفية 
الصورة الثانية من الوقفية
الصورة الثالثة من الوقفية
 أصل الوثيقة موجود في دائرة المديرية العامة للسجل العقاري في أنقرة، وهناك نسخة أخرى منها في متحف الآثار التركية الإسلامية في إسطنبول تحمل رقم تصنفي: 2182. وبإمكان الجميع الإطلاع على النص الكامل للوقفية بالتركية على الرابط: http://bit.ly/11PqGog