‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلاطين آل عثمان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سلاطين آل عثمان. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 29 أبريل 2013

السلطان الولي

بسم الله الرحمن الرحيم
يعد جامع "بايزيد" من أكبر وأفخم وأجمل الجوامع الموجودة في "إسطنبول" والساحة القريبة. أخذت اسمها منه فهي "ساحة بايزيد" وتقع "جامعة إسطنبول" بالقرب من هذا الجامع.
باني هذا الجامع هو السلطان "بايزيد الثاني" (1447م - 1512م) ابن السلطان "محمد الفاتح"، وهو والد السلطان "سليم الأول" الملقب بـ "ياووز سليم"، أي هو جد السلطان "سليمان القانوني".

كان هذا السلطان تقياً ورعاً، فعندما أكمل بناء جامع بايزيد وتم فرشه، جاء يوم افتتاحه للصلاة فيه، ولكن من سيقوم بإمامة المصلين في هذه الصلاة؟
أيؤم الناس الإمام المعين لهذا الجامع؟ أم شيخ الإسلام؟ أم أحد العلماء المعروفين؟
لم يكن أحد يعلم ذلك، وكان الجميع في انتظار من يتقدم إلى الإمامة.

عندما اصطفت الصفوف وقف إمام الجامع وتوجه إلى المصلين قائلاً لهم: ليتقدم للإمامة من لم يضطر طوال حياته لقضاء صلاة فرض، أي : من صلى الصلوات الفرض في أوقاتها طوال حياته.

دهش الحاضرون من هذا الشرط، وبدأ بعضهم يتطلع لبعض وبعد انتظار دقيقة، أو دقيقتين شاهد المصلون السلطان "بايزيد الثاني" وهو يتقدم للإمامة بكل هدوء، ثم يكبر لصلاة الجماعة بكل خشوع.

أجل كان السلطان هو الشخص الوحيد من بين الحاضرين الذي لم تفته أبدًا أي صلاة من صلوات الفرض، ثم يكبر لصلاة من صلوات الفرض، لذا لقبه الشعب بـ "السلطان الولي".

المصدر: روائع من التاريخ العثماني، أورخان محمد علي، دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2007 . 
الصورة لجامع السلطان "بايزيد الثاني" في إسطنبول.

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

سليم الثاني وشرب الخمر

بسم الله الرحمن الرحيم
لا شك أن السلطان "سليم الثاني" كان -حتى عهده- أقل السلاطين العثمانيين كفاءة، فلم يكن كأحد من أجداده في القوة والحزم والصرامة في تطبيق الأوامر الشرعية، ولكن هذا لا يستوجب تصديق كل ما قيل في حقه، مثل أنه كان مخنسًا أو زانيًا أو سكيرًا وخلاصة المسألة كالآتي:

1- عندما كان الأمير سليم واليًا على سنجق "مغنضيا" لم يعش مع الأسف حياة مستقيمة مثل السلاطين العثمانيين الآخرين، وذلك بتأثير الجو المحيط به والذي أستغل شبابه. كان من ناحية الخلق هادئ وحليم، وكان أول سلطان نستطيع القول إنه لم يكن يبلغ كعب أسلافه من أجداده، وانقطعت به سلسلة الدهاة، وبدأ عهد لا تُرى فيه سوى بعض اللمعات من حين لآخر. وهو أول سلطان ولد في إسطنبول وتوفى بها، كما أنه أول سلطان لا يخرج على رأس الجيش الذاهب إلى القتال، وكان يحيط نفسه بالموسيقيين والرسامين، وكان يعيش حياة لهو وطرب.

هناك مؤرخون موثقون يذكرون بأنه حاول اقتراف بعض الآثام، ولكنه مثل غيره من السلاطيين العثمانيين لم يقترف جريمة شرب الخمر، ولا دليل موجود يثبت هذا، والادعاءات في هذا الخصوص غير صحيحة. قام برفع الحظر الذي فرضه والده السلطان سليمان القانوني على أستيراد الخمر الذي كان يتناوله غير المسلمين، كما أباح لغير المسلمين إعادة فتح خمارتهم، ونكرر هنا بأن هذا كان خاصًا لغير المسلمين فقط، وكان والده قد سد هذه الخمارات بعدما بلغته الأخبار بارتياد بعض الشباب المسلمين لهم سرًا.

2- لذا وبسبب من صفاته هذه يصح القول بأن الدولة العثمانية دخلت في عهده فترة الركودة والتوقف؛ لأن جميع الأسباب والعوامل التي تؤدي لاضمحلال الدول كالاستبداد والرشوة والجهل بدأت تظهر في عهده، غير أن وقوف رجال العلم من عهد السلطان سليمان أما الجهل كوقوف رجال دولة محنكين من أمثال "صوقوللو محمد پاشا" أمام الرشوة، ووجود فقهاء مشهورين من الذين كانوا يقبضون على القضاء من أمثال العالِم أبي السعود أفندي، الذين كانوا يشكلون سدًا جزئيًا أمام الاستبداد، كل هذه العوامل كانت سببًا في عدم ظهور النتائج المرة بوضوح في عهده.

وهناك علماء ورجال دولة من أمثال "قوجي بك" يرون أن عهد الركود بدأ منذ أواخر عهد السلطان سليمان القانوني، وهذا صحيح؛ لأن الزيادة غير الطبيعية في كوادر الدولة وتسليم بعض الوظائف الكبيرة لغير الأكفاء، وغير ذلك من الأمور السلبية بدأت في أواخر عهد سليمان. ويُمثل "رَستم پاشا" أفضل مثال على هذا، ودوره المعروف في إثارة الفتن بين الأمراء -راجع قصة قتل سليمان لابنه مصطفى- دليل على ما نقول. يقول "قوجي بك": "كما هو معلوم للحضرة السلطانية، فإن الدولة العثمانية بلغت أوج قوتها وغناها في عهد المرحوم المغفور له السلطان سليمان خان، وإن العوامل الباعثة على الاختلال ظهرت في عهده، ولكن لكون الدولة في أوج قوتها، لم تظهر للعيان آنذاك. بل بدأت بالظهور قبل بضع سنوات".

وعلى الرغم من كل هذا، واستمرارًا للجهود السابقة، تم فتح جزيرة قبرص، واستسلمت موسكو، وألحقت اليمن بالدولة العثمانية، كما أن القوانين التي نظمت ووضعت في عهده تشير إلى سرعة الرقي لم تكن قد أنقطعت تمامًا. يقول المؤرخ الروماني والموسيقي ورجل الدولة "ديميتري كانتمير" -وهو من أعداء الدولة العثمانية- حول السلطان سليم الثاني، بسبب كونه أكثر السلاطين العثمانيين تعرضًا للإشاعات: "مثلما كان يحب مجالسة العلماء، كان يعرف كيف يقضي أوقات أنس مع مهرجيه، ومع هذا كان يؤدي صلواته الخمس بانتظام، وهناك مؤرخون يذكرون بأنه كان ينزوي في أماكن خاصة في القصر بحجة الاعتكاف والعبادة، حيث يقوم بمعاقرة الخمر والتلذذ بلذائذ الدنيا، وهذا غير صحيح وليس إلا نتيجة محاولة من هؤلاء المؤرخين للتزلف إلى قرائهم وإيهامهم أنهم يقدمون لهم معلومات جديدة، والحقيقة أن السلطان سليم كان يبدو متدينا جدًا".

إذن بناء على ما سبق وبناء على شهادة عدو للدولة -والحق ما شهدت به الأعداء- تُكشف لنا الشخصية الحقيقة للسلطان سليم الثاني، دون تحامل أو دفاع.
 

المصدر: الدولة العثمانية المجهولة، 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية، أحمد آق گوندوز، سعيد أوزتورك، وقف البحوث العثمانية، 2008

الاثنين، 15 أبريل 2013

الفاتح واغتصاب القسطنطينية

بسم الله الرحمن الرحيم

هناك بعض المزاعم التي تتردد وقرأتها من قبل لكاتبين وروائين ومؤرخين، وكذلك الشاهد الإيطالي الذي عاصر الفتح و يُدعى بـ "نيقولو باربارو" من كون الفاتح بعد فتحه للقسطنطينية، قد أباحها لجنوده لمدة ثلاثة أيام، حيث أحدثوا فيها مذبحة و أخربوها وانتهكوا أعراض نسائها. والحقيقة تقول أن سلطان مثل السلطان "محمد الفاتح" من الصعب أن يصدق عليه أحد هذا الفرية، فالرجل قد شهد له المنصف من غير المسلمين قبل المسلمين. وللرد على هذا الموضوع بشكل علمي، أقول بأنه حتى المؤرخين البيزنطيين الذين كانوا موجودين في "إسطنبول" عند فتحها، لم يجرؤوا على إطلاق مثل هذه المزاعم؛ لأن محمد الفاتح في فتحه للقسطنطينية وغيرها من المدن، قد التزم بأوامر الشريعة الإسلامية، التي تُحرم على الجيوش الإسلامية أثناء وقت الحروب القيام بتصرفات وأفعال معينة ضد العدو وممتلكاته، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر:

أ- القتل ظلمًا أو بالتعذيب، وقتل غير المشاركين في الحرب من الشيوخ والأطفال والنساء والعبيد والمجانيين ورجال الدين المعتكفين في صوامعهم.
ب- تحريم المثلة، أي يحرم قطع أعضاء الميت من إنسان أو حيوان.
ج- حرق المحاصيل والغابات والأشجار أو قطعها ما لم تكن هناك ضرورة حربية لذلك.
د- الزنى أو أي علاقة غير شرعية.
وقد كانت هذه التعاليم ورعايتها وتطبيقها بدقة والتزامهم بها، من أهم العوامل التي دفعت أجدادنا من نصر إلى نصر، وأن انتصاراتهم كانت متناسبة في التاريخ بمدى التزامهم بهذه القواعد.

والأحكام التي يمنع فيها القتل والتي ذكرتها، هي جزء من أحكام التعامل مع غير المقاتلين في الحرب للقاضي "ملا خسرو" قاضي العسكر في عهد الفاتح. وهل يمكن تصديق مزاعم حرق إسطنبول وتخريبها وقتل من فيها، وإسنادها لأمر سلطاني، كانت الأحكام الواردة في الكتاب، بمثابة قوانين لدولته؟!! إن القول بهذا مثال للزعم المحروم من أي دليل والذي لا ظابط له ولا مصداقية.

إن التاريخ يخبرنا بأن الفاتح في "23 مايو" أي قبل فتح المدينة، قد أرسل للبيزنطيين يخبرهم بأن المدينة ستسقط بعد أول هجوم عام، وأنه إن استسلموا فستسلم أرواحهم وأموالهم، ولن يتعرض لها أحد وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، أما إن فتحت المدينة عنوة فسوف تسيل الدماء ولن يتحمل السلطان المسئولية، ولكن الإمبراطور رفض هذا العرض، وبناء عليه فُتحت المدينة عنوة، ومع ذلك تم معالمتهم كما أسلفنا سابقًا.

وفي النهاية أجد أنه من المستحسن إيراد شهادة ثلاثة جهات مختلفة، وواقعة تاريخية تدل على رحمة السلطان الفاتح عندما فتح المدينة، مع اعطاء من كانوا فيها الأمان على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم.
1- شهادة الفيلسوف الروسي وأحد أبرز المفكرين في القرن العشرين، "أوسبنسكي" Ouspensky والذي قال: "لقد تصرف الأتراك بعد فتح إسطنبول عام 857هـ/1453م بشكل إنساني وبتسامح أكثر بكثير من تفوق الصليبيين عام 600هـ/1204م".

2- شهادة الدكتورة "ماري ملز پاتريك Mary Mills Patrick" الكاتبة الأمريكية في كتابها "صفحات من تاريخ تركيا الإجتماعي والسياسي والإسلامي" وهي تتحدث عن الفاتح: "الواقع أن السلطان محمد قد أظهر تسامحًا عظيمًا مع المسيحين، وليس أدل ما تسامحه معهم قوله لهم: 'انني أقسم بحرمة مساجد الله التي نتعبد بها أن أضمن لكم أن تجتمعوا في كنائسكم للصلاة والتضرع إلى الله'". وتضيف في موقع آخر من الكتاب: "الواقع أن السلطان محمد الفاتح أظهر تسامحًا عظيمًا مع المسيحين، وكان لكل ملة في زمنه رئيس ديني لا يخاطب غير حكومة السلطان مباشرة، ولكل ملة من هذه الملل مدارسها الخاصة، وأماكن للعبادة، وأديرة، كما أنه لم يكن يحق لأحد أن يتدخل في ماليتها، وكانت تُطلق الحرية لكل ملة لتتكلم اللغة التي تريدها".

3- شهادة قناة الـ CNN الأمريكية ومجلة الـ Time عند الحديث عن أهم مائة حادثة في الألف سنة الماضية والذي جاء فيه ذكر أن فتح إسطنبول يعد إحدى هذه الحوادث، فقد جاء فيهما: "كانت إسطنبول قبل فتحها من قبل الفاتح مدينة خربة ميتة، وبعد الفتح أصبحت هذه المدينة مدينة عامرة ومركزًا للتجارة للبلدان الأوروپية والبلدان الإسلامية على السواء".

أما شهادة التاريخ فتحكي لنا بأن الفاتح عندما قام بفتح القسطنطينية، لم يقم بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد بالقوة، بل حفاظًا على مشاعر المسيحين في المدينة عمل على شرائها من ماله الخاص، كما أنه أمر بعدم إزالة "نقوش الموزائيك المسيحية" منها، بل طلب أن تُغطى فقط، كما أنه لم يهدم سور المدينة وتركه بعد الدخول كما هو. وهذا كله يوضح أسلوب الفاتح في تعامله مع الأمور.


المصدر: الدولة العثمانية المجهولة، 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية، أحمد آق گوندوز، سعيد أوزتورك، وقف البحوث العثمانية، 2008

الخميس، 11 أبريل 2013

شجاعة السلطان "عبد الحميد الثاني"

بسم الله الرحمن الرحيم
كثير من المؤلفات سواء الإنگليزية أو العربية، تذكر بأن السلطان عبد الحميد كان رجلًا جبانًا يخشى على حياته دائمًا من الاغتيال، ويفرض على نفسه عزلة دائمة، كما وجدتها في وثائقي الجزيرة الخاص بالسلطان، وهي من أبرز ما أفتُري على السلطان عبد الحميد دون دليل، بل العكس في هذا الأمر هو الصحيح.
وللتدليل على شجاعة السلطان -رحمه الله- أورد حادثتين وقعتا تشير إلى شجاعة السلطان ورباطة جأشه.

أ- حادثة الزلزال الكبير: 10/7/1894
نبدأ أولًا بتلخيص وصف هذا الزلزال الذي سجل في التاريخ التركي باسم "الزلزال الكبير" من المؤرخ التركي الكبير "حامد دانشماند" حيث يقول: "إن هذا الزلزال الهائل الذي كان متوجهًا من الجنوب إلى الشمال والذي أستمر لمدة دقيقة تقريبًا كما ذكرت جريدة (ترجمان الحقيقة) في اليوم التالي له، قد أدى لتلف وتخريبات كبيرة، فقد تهدم كثير من الجوامع والمنائر والمدارس ومراكز الشرطة والمباني والخانات -الفنادق-. كما مات خمسة أطفال في مدرسة ابتدائية، وبعض من المارة عندما سقطت عليهم الجدران. وقد كلف السلطان على الفور وزارة الداخلية ورئاسة البلدية والصحة بإبداء المساعدة الفورية، وافتتح سجل لجمع التبرعات حيث بلغت التبرعات في خمسة أشهر وتسعة عشر يومًا 82874 ليرة ذهبية، ودفع منها السلطان الجزء الأكبر".
ويصف آخر وهو الشاعر التركي المعروف "عبد الحق حامد" المشهد: "كنت على متن باخرة "الشركة الخيرية" وقد رأينا منظرًا عجيبًا كان أن يفقدنا عقولنا، حيث كانت البيوت تتهدم والسقوف تنهار والمنائر تهوي. كان الزلزال عنيفًا إلى درجة حسبنا بأن القيامة قد قامت."
كان السلطان في هذه الأثناء في قصر يلدز في صالون استقبال المهنئين بالعيد، يجلس تحت "ثريا" تبلغ من الوزن عدة أطنان يستقبل المهنئين من السفراء، وحوله كبار الضباط والوزراء ورجال الدولة. وفجأة وقع الزلزال العنيف، وبدأ الناس يتراكضون وعمت الفوضى كل المكان. حتى إن الضباط تراكضوا إلى النوافذ القريبة يكسرون زجاجها بأعقاب أحذيتهم؛ كي يلقوا بأنفسهم للحديقة، وبدأت "الثريا" الكبيرة تتحرك بقوة وعنف كبندول الساعة.
كان السلطان الشخص الوحيد المتمالك لأعصابه، إذ لم يقم ولم يتحرك من مكانه، بل بقي هادئًا وقورًا الوقار اللائق بخليفة المسلمين، تتحرك شفتاه بتلاوة بعض آيات من القرآن الكريم.


ب- حادثة القنبلة: 21/7/1905
وهي محاولة لاغتيال السلطان، وذلك بوضع 80 كجم من المتفجرات مع 20 كجم من قطع الحديد في عربة أوقفت في فناء الجامع الذي كان السلطان يصلي فيه الجُمع، ووقتت القنبلة بحيث تنفجر في الوقت الذي يصل فيه السلطان للعربة، وقد تأخر السلطان قليلًا في الخروج فانفجرت القنبلة والسلطان بعد في المسجد، محدثة دويًا هائلًا تردد صداه من أقصى إسطنبول إلى أقصاها، حيث قتل في هذا الانفجار 26 شخص وجُرح 58 وفقدت ما يقرب من 20 من الخيول. وفي هذا الموقف الرهيب الذي ساد فيه الهرج والمرج وتراكض الضباط والجنود والناس خوفًا وهلعًا يريدون النجاة بأنفسهم بقي السلطان هادئًا ساكنًا. 

يصف الأميرال "هنري وودس" في مذكراته هذه الحادثة فيقول: "لم أكن بعيدًا عن السلطان ... في هذه الأثناء فرقع دوى كصوت عدة مدافع، واهتزت الأرض من تحت رجلي. دهشت من رباطة جأش السلطان، وفجأة شاهدت العديد من الأشخاص الذين هرولوا داخل جامع يلدز والدماء تنزف من وجوههم وأيديهم، .... ولكن عندما نظرت إلى فناء الجامع الذي كان السلطان ينظر إليه، ارتعشت من الدهشة، كان الفناء كأنه ساحة حرب دمرتها المدافع، فهناك تناثرت أجساد الخيول وقطع الخشب والعربات، وأجساد السائسين المساكين الراقدة دون حياة. وبعد قليل عرف الجميع مدنيين وعسكرين بأن السلطان سليم معافى، فلم يتمالكوا أنفسهم أتراكًا وأجانب من الفرح، وبدؤوا بالهتاف: "عاش السلطان .. عاش السلطان" ثم توجه السلطان إلى عربته بكل هدوء ورباطة جأش، وقادها بنفسه، وكانت تقاطيع وجهه غاية الهدوء".
أما تحسين پاشا -رئيس دائرة الكتابة في قصر يلدز- في مذكراته فيقول بعد شرح الحادثة: "ماذا شعر السلطان آنذاك؟ لا أستطيع الإجابة في هذا السؤال، ولكن لا يستطيع أحد إنكار بأنه أبدى شجاعة خارقة، ولم يظهر أي نوع من أنواع الانفعال أو الخوف، واكتفى بسؤال: ماذا هناك؟ وعندما أقترب من عربته ورأى الاضطراب والهلع هتف بصوته الجهوري: "لا تخافوا! لا تخافوا!".

المصدر: السلطان عبد الحميد الثاني حياته وأحداث عهده، أورخان محمد علي، دار النيل للطباعة والنشر، الطبعة الرابعة، 2008

السلطان الخاشع سليمان القانوني

بسم الله الرحمن الرحيم
أخبر موظفو القصر السلطان سليمان القانوني (1495-1566) باستيلاء النمل على جذوع الأشجار في قصر طوب قابي.. وبعد استشارة أهل الخبرة خلص الأمر إلى دهن جذوعها بالجير.. ولكن لم يكن من عادة السلطان أن يقدم على أمرٍ دون الحصول على فتوى من شيخ الإسلام.. فذهب إلى شيخ الإسلام أبي السعود أفندي بنفسه يطلب منه الفتوى، فلم يجده في مقامه فكتَب له رسالة شعرية يقول فيها:
إذا دبّ النمل على الشجرِ
فهل في قتله من ضررِ؟

فأجابه الشيخ حال رؤيته الرسالة بنفس الأسلوب قائلاً: 

إذا نُصِب ميزانُ العدل غدًا
يأخذ النمل حقه بلا خجلِ

وهكذا كان دأب السلطان سليمان.. إذ لم ينفّذ أمرًا إلا بفتوى من شيخ الإسلام أو من الهيئة العليا للعلماء في الدولة العثمانية.

   توفي السلطان في معركة "سيكتوار" أثناء سفره إلى فيينا.. فعادوا بجثمانه إلى إسطنبول.. وأثناء تشييع الجنازة، وجدوا أنه قد أوصى بوضع صندوق معه في القبر.. فتحير العلماء وظنوا أنه مليء بالمال فلم يجيزوا إتلافه تحت التراب وقرروا فتحه.. أخذتهم الدهشة عندما رأوا أن الصندوق ممتلئًا بفتاواهم.. فراح الشيخ أبو السعود يبكي قائلاً: لقد أنقذتَ نفسك يا سليمان، فأي سماء تظلنا وأي أرض تُقِلّنا إن كنا مخطئين في فتاوانا؟!

الاثنين، 8 أبريل 2013

السلطان الكافر

بسم الله الرحمن الرحيم
السلطان "محمود الثاني" هو السلطان الوحيد ضمن سلاطين آل عثمان وخلفائهم الذي أطلق عليه الشعب اسم "السلطان الكافر"؛ حيث جاء باللباس الأوروپي إلى المدنيين، بالإضافة إلى تنظيمه اللباس الرسمي للأصناف العسكرية وعلماء الدين؛ حيث كان يتوجب على كل مواطن في الدولة عدا علماء الدين والعسكر أن يرتدي المعطف، والبنطلون، والطربوش، مع منع ارتداء القلنسوة، والعمامة والجبة للعامة سوى علماء الشرع.
لم يعي الشعب ضرورة هذه الانقلابات التي أحدثها السلطان، فأطلقوا عليه اسم "السلطان الكافر"؛ وذلك عندما علق لوحات له في الدوائر الرسمية للدولة.

سليم لم يكن يرتدي قرط بأذنه

بسم الله الرحمن الرحيم
هناك بعض من الصور على الشبكة تعرض صورة السلطان "سليم الأول" بأشكال مختلفة، ولكنها تتفق في الشكل العام فيما بينها. و من بين هذه الصور، الصورة التي أعرضها ملحقة بالكلام، ويلاحظ أن السلطان يظهر هنا وهو يرتدي "قرط" بأذنه، فهل كان السلطان سليم يرتدي "قرط" بأذنه؟
إن قيام البالغين من الرجال بثقب آذانهم والتزين بالأقراط عند أكثر الفقهاء حرام، وهو غير جائز اختصارًا.

كان السلطان سليم لا يحب الزينة والفخفخة، ويحب البساطة في ملبسه و في حياته الشخصية، وأذكر موقف حدث بين السلطان وابنه "سليمان" -السلطان سليمان القانوني فيما بعد-، فعندما رجع من مصر بعد فتحها، ورأي ابنه سليمان في ملابس مزركشة قال له: "يا ولدي سليمان! ... إن كنت تلبس هكذا فماذا أبقيت لأمك؟!!".

ونحن نرى السلطان في صوره الصحيحة وفي "المنمنمات" المرسومة له بشاربه الكث دون أي قرط، أما الصورة هذه الموجودة في متحف "طوپ قپو" في اسطنبول تحت رقم 66/17 والتي يقال أن أحد رسامي "المجر" قد رسمها وتظهر فيها صورة "القرط" فلا يوجد دليل على صحتها، بل هناك العديد من الصور المزيفة التي رسمها رسامون أوروپيون وإيرانيون للسلطان سليم، مع وجود مصادر تاريخية تؤكد هذا الكلام، وهناك احتمال قوي أن تكون هذه الصورة ضمن هذه الصور، كما نلاحظ وجود عقد من اللؤلؤ على عنقه وتاجًا على قلنسوته، مثل هذه الزينة كانت تتعارض مع هندام السلاطين العثمانيين.

الأرجح في هذه الصورة أنها تعود لشاه "إسماعيل الصفوي"، لأننا نجد فيها على رأسه القلنسوة الحمراء التي كانت رمزًا وعلامة للمذهب الشيعي، وفوقها نجد التاج الخاص بالملوك الإيرانيين.

هناك كثير من الاراء الأخرى منها ما هو متجرد من الأخلاق كالقول بأن السلطان كان يضع قرطًا كعلامة له على أنه شاذ جنسيًا، وآخر يقول بأن وضع الأقراط كان عادة من عادات الأتراك القديمة، وكل هذه التفسيرات أوهام لا أصل لها من الصحة.

المصدر: الدولة العثمانية المجهولة، 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية، أحمد آق گوندوز، سعيد أوزتورك، وقف البحوث العثمانية، 2008

حقيقة قتل سليم الأول لأبيه بايزيد الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم
 كل من يهتم بتاريخ الدولة العثمانية يعلم أن السلطان سليم الأول أعتلى عرش السلطنة في ظروف صعبة جدًا تحيط بالدولة خارجيًا وداخليًا، وكان من المحتم أن تُتخذ التدابير اللازمة للحفاظ على الدولة؛ خاصة وأن بوادر "تشيع" الأناضول بات يلوح في الأفق. في 28 محرم 918هـ الموافق 24 أبريل 1512 أعتلى السلطان العرش، وقام بتوديع والده الذي رغب في إكمال حياته في راحة في "ديماطوقه"، حيث كان السلطان بايزيد الثاني رجل روحاني ومتدين بشدة، وكان الشعب يطلق عليه لقب "السلطان الولي"، وقد سار السلطان سليم بجوار فرس والده مترجلًا، وأبدى كل مظاهر الاحترام لوالده أثناء توديعه.

وتذكر المصادر التاريخية أن السلطان سليم قال لحاكم "القرم" عندما وعده هذا بمساعدته ضد أخيه: "لم أت إلى إسطنبول حبًا في السلطنة، بل لكون والدنا مريضًا مسنًا، وكونه قد أحال كل الأعمال للوزراء، وقد أنتهز أعداؤنا هذه الفرصة فأوقدوا نيران الفتن والثورات، أما أشقائي فقد أتبعوا أهوائهم، وهم غير قادرين على دفع بلاء الأعداء. إن غايتنا هو حفظ وصيانة الدين والدولة، غير أن بعض رجال العلم بذروا بذور الشقاق بيني وبين والدي."
وبناء على هذا الكلام، فإنه يصعب تصور أن يقوم صاحبه بتسميم والده، ولكن ما هي الآراء المطروحة حول هذا الموضوع؟

1- ورد في بعض المصادر العثمانية أن السلطان بايزيد مرض بشدة وهو في طريقه إلى "ديماطوكيا" وتوفى، وتقول مصادر أخرى أن تقدمه في السن والمشاكل الشائعات والفتن والدسائس الكثيرة التي عاشها أوهنته كثيرًا، فلم يستطع تحمل المزيد وقد بلغ من العُمر 67 عامًا، فتوفى.

2- قال بعض المؤرخين العثمانيين مثل "هزارفن حسين أفندي"، و "كاتب چلبي" أن السلطان أستُشهد، ولكن دون تعيين وتوضيح سبب هذه الشهادة، وربما كانوا يقصدون بهذه الشهادة، الشهادة المعنوية.

3- قال مؤرخون آخرون أمثال: "منعم باشي"، أن السلطان بايزيد مات مسمومًا، دون أن يذكروا أن السلطان سليم له ضلوع في هذا الأمر من قريب أو من بعيد.

4- قلة من المؤرخين من أمثال: "بجوي"، و "شمعداني زاده" رووا بأن السلطان سليم خاف أن يرجع والده إلى السلطنة مرة أخرى، لذا أمر بدس السم له، وتلقف المؤرخون اليونانيون والبيزنطيون هذه الرواية الضعيفة، ولم يدخروا جهدًا في كيل هذه التهمة للسلطان.

وتعتبر أصدق مصدر تاريخي لهذه الحادثة -حسب رأي المؤرخ الدكتور أحمد آق گوندوز- هو ما جاء في رسالة الأمير "أحمد" الأخ الأكبر للسلطان سليم ومنافسه الأول على العرش للسلطان المملوكي، والمحفوظة في أرشيف قصر "الطوب قاپي" في إسطنبول، فقد ذكر فيها أن والده مرض في منطقة "قارلي دره" ثم توفى، غير أن الشائعات أنتشرت بين الأهالي بأن السلطان سليم هو من دس له السم، ومن الطبيعي في مثل هذه الأجواء السياسية المشحونة والمتوترة أن تنتشر هذه الشائعات، فتلقفها بعض المؤرخين وروجوها على أنها حقائق وفسروها كما يحلو لهم، ومن المؤرخون المعاصرون الذين يرفضون هذه الفرية "أوزون جارشلي"، والمؤرخ "باك آلينلي".
 


المصدر: الدولة العثمانية المجهولة، 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية، أحمد آق گوندوز، سعيد أوزتورك، وقف البحوث العثمانية، 2008

الأحد، 7 أبريل 2013

دفاعًا عن السلطان عبد الحميد الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم
تاريخ دولة الإسلام يمتد لقرون طويلة من الزمان، وهي حقبة أساسية غاية في الأهمية من تاريخ الأرض، أمتدت عبر حكم الخلفاء الراشدين، مرورًا بالأمويين، فالعباسيين، فالعثمانيين. ونسبة معرفة المسلمين لتاريخ هذه الحقوب نسبة قليلة جدًا، ومن يعرف المعلومات الصحيحة والحقيقية عنها نسبة أقل من الأولى، وللأسف يقع المسلمون في هذا الخطأ الضخم بعدم معرفة تاريخهم، وعوامل نهوضهم انحدارهم، فتتكرر مأساتهم وإذلال أعدائهم لهم مرات ومرات للوقوع في هذا الخطأ الجسيم. وتاريخ الخلافة العثمانية من الحقوب التي لا يعرف عنها أبناء الإسلام شيء يذكر، وإذا علم شيئًا فإنه يصل إليه مشوه غير صحيح، فتصور من من خلال المناهج التعليمية -في مصر مثلًا- كأنها احتلال للبلدان العربية، فتُعرض المرحلة الأخيرة فقط لنا من تاريخها حيث كانت نهايتها وضعفها؛ وذلك على الرُغم من الدور الكبير التي لعبته في الحفاظ على البلدان العربية الإسلامية من هجمات الأعداء المختلفة لمئات السنوات. والدولة العثمانية كغيرها من الدول تكون في بداية عهدها دولة صغيرة، ثم تكبر بالتدريج حتى تصل للقمة، ثم تأخذ سلم الانحدار تدريجيًا وصولًا إلى السقوط والزوال، لذا ففي قرونها التي حكمت فيها مساحات شاسعة من الأرض وصلت في قمتها إلى حوالي 20 مليون كم2، -وهي أكبر دولة في تاريخ الأرض حكمت هذه المساحة- فكان لها من الأعمال الصحيحة والعظيمة، كما كان لها من الأعمال السيئة الضئيلة بإختلاف فترات الضعف والقوة.
قال صلى الله عليه وسلم:إن حقًا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعهرواه البخاري.
السبب الذي دفعني لأكتب هذه التدوينة هو حبي للسلطان المسلم عبد الحميد الثاني، أحد أعظم السلاطين العثمانيين، وأكثر سلاطين آل عثمان تعرضًا للظلم في التاريخ الحديث، وأعظمهم قدرًا في عصر انحطاط الدولة العثمانية، والذي عمل على الدفاع عن الدولة من الزوال لمدة تزيد عن ثلث قرن، عندما تسلّمها وهي في مرحلتها الأخيرة بعد ضعف شديد وشلل أصابها، ليحاول إعادة الدولة مرة أخرى والمحافظة عليها من السقوط؛ عبر إدخال التحديث والتطوير للدولة في كافة الميادين، فهو يعد بحق رائد العلم والتحديث في الدولة العثمانية في عصرها الأخير. كان السلطان عبد الحميد موضع حب وتقدير من كافة المسلمين الموجودين في عصرة؛ فصار رمزًا للمسلمين والعثمانيين في نظر أعدائهم، فأصبح هدفهم القضاء على هذه الشخصية ذات القدرة المتميزة. فالسلطان عبد الحميد من وجهة نظري أحد أعظم شخصيات القرن التاسع عشر والعشرون، ويستحق بأن يُلقب بأنه آخر خلفاء الدولة الإسلامية؛ نظرًا لأن الذين أتوا بعده لم يكن هناك سلطة فعلية في يديهم وكانت بيد حكومة الاتحاد والترقي بعد خلعها للسلطان ونفيه بانقلاب عسكري.
بداية الحديث نقول أن السلطان بشر، وأي بشر يصيب ويخطئ في حياته، فتاريخ الفرد ليس كله محاسن ولا كله مآخذ، بل تجتمع فيه هذا وذاك، ونحن نقوم بتقييم الشخص بالأعمال التي تغلب عليه، فالمثل يقول :أنت أكثر ما يغلب عليك “، لذا عند وضع أعمال السلطان في الميزان فبناء على الأدلة التاريخية الموثقة والوثائق التي ترجع لعهده، ترجح الأعمال الخيرة التي قام بها  السلطان ،والتي أسال الله أن تكون خالصة لوجهه وفي ميزان السلطان يوم القيامة.
الرد مني على محمود عبد الرحيم عرفات، وهو مدون ليبرالي (علماني) يعيش بمدينة طنطا. لديه اهتمام بالتاريخ التركي الأتاتوركي نظرًا لحبه الشديد لمصطفى كمال أتاتورك.
عرض الأستاذ محمود مجموعة من الشبهات في مدونته تهدف إلى تشويه صورة السلطان؛ عن طريق صياغة أسئلة تعطي لمن يقرئها معلومات غير صحيحة تشوه صورة هذا الرجل العظيم رحمه الله، وقبل الحديث عن الشبهات والرد عليها أقوم بعرض نُبذة بسيطة عن آراء الأستاذ محمود الدينية؛ فقط من باب معرفة عقلية من نرد عليه. فالأستاذ محمود من نوعية الأشخاص الذين يقومون بمهاجمة الدين ولكن بصورة غير مباشرة؛ عن طريق سب رجال الدين ووصف أفكارهم بالرجعية والتخلف، وذلك لأنه لا يستطيع مهاجمة الدين مباشرة؛ إذ سيفقد نسبة كبيرة من القراء الذين يصلون لمقالاته، ولن تؤثر فيهم، فليس هناك مانع من التستر بعباءة ذات شكل مختلف ولكن بنفس المقصد من المقالات -وهو الطعن- والذي يغيب عن كثيرين. هذا النوع من المهاجمين يعمل هل إثارة الشبهات حول مواضيع معينة، فيتشكل في العقل الباطن للقارئ صورة معينة عن هذه النقاط الدينية؛ مستغلًا حالة الجهل الديني الشديد في المجتمعات العربية، فلا يعرف القارئ المسلم إن كان هذا الكلام صحيحًا أم لا، فتنطبع في ذهنه هذه المغالطات كمعلومة أولى، وتتكرر في مقالات ومواضع أخرى إلا أن يُبنى في ذهن القارئ جدار يحول بينه وبين الحقيقة، فلا يرى بعد ذلك إلا ما عرفه أول مرة. يرى الكاتب -كغيره من العلمانيين- أن الإسلام ما هو إلا أخلاقيات فقط وأن الشريعة الإسلامية الصحراوية لا تناسب زماننا هذا، وأن الزمان قد تطور فكيف نُحكم الآن بقوانين من 1400 عام؟ “فالشريعة في شئون الدنيا قوانين لكنها خاصة بتحقق المصلحة فإن انتهت المصلحة أستُبدلت الشريعة“.
من كارهي نظام الخلافة الإسلامية ويرى أنه لا سياسة في الدين، أو نقول ما يمت بصلة بعلاقة الدين في الحياة بصورة عامة، و الحكم بصورة خاصة. من آرائه أن مصر يجب أن تكون “دولة مدنية علمانية صارمة لصالح المواطنة و الدستور المدني“، وأنه “لو ورد ألف حديث من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام في مسألة فإنه لن يأخذ إلا برأي العلم“، ناهيك عن سبه للملتحين ووصف الإسلاميين بالإرهابيين وغيرها، ونظرًا لعدم حبه للخلافة -التي تحكم بمرجعية دينية- وحبه لهذه الحقبة من التاريخ التي بدء فيها نظام الجمهورية العلمانية، منعه هذا من أن يكون موضوعيًا في الحديث عن الخليفة عبد الحميد الثاني، -وكيف يكون موضوعيًا في الحديث عن شيء يكرهه!!- ونظرًا لأنه خليفة حاول إرجاع قوة الدولة في عصر احتضارها، لذا فهو من وجهة نظره مستبد وفاسد و خائن أيضًا. من بين المقالات التي يكتبها، قام الأستاذ محمود بكتابة مقالتان للطعن في السلطان، الأولى بعنوان : “في مسألة سقوط الخلافة.. فلنتسأل عن السلطان عبد الحميد الثاني” وهي خاصة بمسلسل “سقوط الخلافة” والذي تدور أحداثه بداية من تولي السلطان عبد الحميد الثاني – رحمه الله – الحكم 1876 إلى وفاته عام 1918 وموقفه من بيع فلسطين لليهود.
الثانية بعنوان: “حتى لا تنجرفوا وراء مسلسل سقوط الخلافة .. هذا ما حدث“، وهي تشويه لصورة السلطان التي عُرضت في المسلسل، وإظهاره بصورة المستبد الذي يريد أن يحكم الدولة في قبضته، وإظهار جمعية الإتحاد والترقي -اللصوص- بأنها جمعية تهدف إلى النهوض بالدولة، ومدحت پاشا الخائن على إنه رجل إصلاحي، وبالطبع هذه الإفتراءات الموجهة للسلطان والكلام على الخونة على أنهم إصلاحيين كلام ليس له أساس من الصحة، فبالأدلة التاريخية الموثقة أعرض هنا إن شاء الله دليل كذب إفتراءاته الموجودة في المقالة الأولى، وإنها عبارة عن كلام لا يستند إلى حقائق بل إلى تأليف من رأسه؛ ليتصيد الشبهات ويعرضها للقارئ الذي لا يعرف شيء عن التاريخ الحقيقي لهذا السلطان العظيم.
قبل البدء في الرد أريد عرض نقطتان:
الأولى: هي سياسية السلطان وطريقة تفكيره لإعادة قوة الدولة مرة أخرى، وهي من كلام السلطان نفسه في مذكراته وهي نقطة مهمة يُبنى عليها الرد.
الثانية: آراء  بعض الأشخاص الذين عرفوا السلطان عبد الحميد على حقيقته منهم العرب ومنهم الأوروپيون، وفيه يثبتون حقيقة السلطان.
يقول السلطان رحمه الله في مذكراته شارحًا وضع الدولة، منذ توليته لعرشها والسياسة التي سعى لتطبيقها طيلة مدة سلطنته : ” كنت أرى بوضوح أن دول أوروپا العظمى قد أخذت تقسم العالم فيما بينها، وكانت الممالك العثمانية ضمن الدول التي ستتعرض للانقسام، وكنت لا أستطيع أن أقف أمام تلك القوى وحدي؛ لم تكن قوتي تكفي، الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله هو الإستفادة من التنافس فيما بينهما، وتوزيع الأمل في لقمة كبيرة بعض الشيء على كل واحدة منها، والإيقاع بين كل واحدة وأخرى. مرة أخرى كنت أرى بوضوح أن ظهور ألمانيا كفيل بإخلال التوازن الأوروپي، وأنه سيوقع الدول الأوروپية بعضها ببعض، وإني لو أستطعت إنقاذ بلادي من التعرض للانقسام حتى ذلك اليوم؛ فإني في وقت هذا الصدام استطيع حماية وجودنا بالإنضمام إلى أحدى الكتلتين وكسر الطرف الآخر، ولم أكن أرى هذا ببعيد، وفي نهاية ذلك سيتصادمون، وبحثت بدقة عن الطريق التي سأسلكها. كنت قد رأيت أثناء مؤتمر الدول الكبرى الذي عقد في إسطنبول نوايا هذه الدول، وهي ليست كما يقولون تأمين حقوق الرعايا المسيحين، بل تأمين إستقلالهم الذاتي، ثم العمل على إستقلالهم التام، وبذلك يتم تقسيم الدولة العثمانية. كانوا يعملون في سبيل ذلك في اتجاهين :
الأول: إثارة الأهالي المسيحين وتعكير صفو الجو وبذلك تتصدى لحمايتهم.
الثاني: المناداة بتطبيق الدستور لإحداث الفرقة فيما بيننا، واستطاعوا أن يجدوا من بيننا أنصارًا يستخدمونهم في كلتا الغايتين.
وللأسف كان على خبز العدو شيء من السمن، فلم يستطيع بعض الشباب التركي المثقف أن يفرق بين التطبيق السهل للحكم الدستوري في بلاد تتمتع بوحدة قومية وبين تعذر هذا الحكم في الدول التي لا تتمتع بوحدة قومية. كيف كان يمكنني أن أنقذ بلادي من هذه الخيانات والتمردات؟ أسرعت بتجهيز الجيش بالأسلحة الحديثة وما هو مناسب من أسطول وتدريب الجنود على فنون الحرب. واستدعيت إلى إسطنبول القائد الكبير “فوندر گولتس“. ورأيت أنني لو أتفقت مع دولة تسود البحار في هذه الحرب التي أتوقعها [الحرب العالمية الأولى] – ولي أمل في قيامها – في ذلك الحين تكون جيوشي مستعدة للعمل. وسيقوم أسطولي بتسهيل مهمتي، وفوق هذا سيكون تحت يدي جيش يجيد تمامًا حيل الحرب التي تلجأ إليها الأمم التي سأحارب ضدها. نعم لم تكن لدي الطاقة ولا القوة لمحاربة الدول الأوروپية بمفردي ولكن الدول الكبرى التي تحكم شعوبنا المسلمة كثيرة في آسيا مثل: إنگلترا وروسيا، تخاف من مقام الخلافة، لهذا السبب استطاعوا الاتفاق على إنهاء الدولة العثمانية، وكان عليّ ألا أستخدم هذا السلاح خارج حدودي حتى اليوم المنتظر[يقصد السلطان سلاح الخلافة]، وإن محاولة كهذه لم تكن لتفيد إخوتنا في الدين أو تفيد بلادي. وقررت أن أستخدم قوتي كخليفة في وحدة بلادي وأمنها كما قررت العمل على سلامة إخواننا في الدين من الخارج ضد كل الاحتمالات. كانت الخلافة في يدي أمرًا يقلق الإنگليز دومًا ويجعلهم في اضطراب، فالإنگليز يحكمون مائة وخمسين مليونًا من المسلمين في آسيا، وللخلافة نفوذ كبيرة على هؤلاء المسلمين. ولإني كنت أعرف ذلك كنت ودون أن أثير شكوك الإنگليز أُرسل السادة الأشراف وشيوخ الطرق الصوفية والدراويش إلى مسلمي آسيا الصغرى، وكنت أظهر عناية خاصة بربط مسلمي آسيا بالخلافة ربطًا معنويًا. لو فرقنا بين أعدائنا الذين أتحدوا على تمزيقنا ثم بقيت لنا قطعة واحدة لاستطعنا أن نصبح قوة لا تنازع؛ لاستطعنا أن نصبح مرة أخرى أصحاب الكلمة على العالم بأسره. كان ما سيدعو إلى الصدام في النهاية نتيجة التنافس بين الدول الكبرى واضحًا جليًا أمام الأعين، إذن كان على الدول العثمانية أن تعيش بعيدًا عن مخاطر التمزق بقدر ما تستطيع أن تبرز ثقلها يوم الصدام، هذا هو سر سياستي التي أستمرت 33 عامًا “.
من كلام السلطان تتضح طريقة تفكيره لإعادة قوة الخلافة العثمانية، فالسلطان يريد تقوية الدولة عسكريًا وتجهيزها وتطوريها؛ لأنه توقع وكان توقعًا صحيحًا بأن حربًا ستنشب بين الدول الأوروپية، وهي الحرب العالمية الأولى التي نشبت بعد عزل السلطان بخمس سنوات فقط، وبانضمامه إلى ألمانيا في الحرب يعلن كخليفة للمسلمين الجهاد على كل القوى الاستعمارية التي تحتل بلاد المسلمين، مما سيعمل على هبوب المسلمين الغيورين للدفاع عن بلدانهم.
بالإضافة لكلام السلطان، فهناك من الوثائق ما يدل على تدينه، واهتمامه بحماية المسلمين والعمل على النهضة بهم في جميع أنحاء العالم من الهند والصين وروسيا، فمنع عرض مسرحية تسيء للرسول في فرنسا وفرح المسلمون بهذا الأمر فرحًا كبيرًا، وأمر بمنع لعبة القمار في كل الممالك العثمانية لانها حرام شرعًا، كما أمر بشأن عدم ذهاب أبناء المسلمين في بيروت للمدارس الأمريكية والفرنسية وسرعة الانتهاء من إنشاء المدارس العثمانية حتى لا يفسد اعتقاد أبناء المسلمين، بالإضافة إلى إرسال حروف المطبعة العثمانية إلى روسيا من أجل تعليم المسلمين الموجودين في روسيا، وغيرها من الأعمال الكثيرة العظيمة لخدمة الإسلام والمسلمين، فدائمًا ما كان السلطان يزيل توقيع فرماناته بـ “خادم المسلمين عبد الحميد الثاني“.
أما آراء المنصفين من المسلمين وغير المسلمين أعرض هنا بعض منها، فنبدء بمصطفى كامل پاشا حيث يقول : “السلطان عبد الحميد سيد الحكماء، وقدوة الساسة، وقادة الأمم“، وينضم إليه جمال الدين الأفغاني فيقول: “لو وُزن مع أربعة من نوابغ رجال العصر، لرجحهم ذكاءً ودهاءً وسياسةً. وأعظم ما أدهشني ما أعد من خفي الوسائل، وأقصى العوامل، كي لا تتفق أوروپا على عمل خطير في الممالك العثمانية“، أما أمير الشعراء أحمد شوقي فيقول في قصيدة له مادحًا السلطان: “هنيئا أمير المؤمنين، فإنما نجاتك للدين الحنيف نجاة“.
أما بالنسبة للمنصفين الأوروپين فيقول السير هنري وودز الإنگليزي وهو مشير بالبحرية وعمل مستشارًا بالقصر العثماني في مذكراته عن السلطان:
بالنسبة لي، السلطان عبد الحميد خان أحد السلاطين الذين يحتلون موقعًا متميزًا بين السلاطين العثمانيين جميعًا، فهو من أنجح الحكام الذين تولوا حكم الدولة العثمانية منذ تأسيسها. كان هادئًا للغاية، يستمع إلى المتخصصين عندما يناقش مسألة ما. كان عاقلًا ومؤدبًا إبان فترة ولايته للعهد، وآنذاك إذا ما أتى أي وفد أوروپي إلى إستانبول كانوا يطلبون زيارته. ولو لم يكن السلطان عبد الحميد خان لما حكمت الدولة إدارة عاقلة، ولانهارت الدولة منذ زمن بعيد. سدد ديونها الخارجية، وقوى الجيش، وجعل الدولة العثمانية يسعى إلى صداقتها والإرتباط بها. ولو لم يتم إسقاط السلطان عبد الحميد خان، لما أندلعت الحرب العالمية الأولى، وإن إفترضنا العكس لكان السلطان سيجعل تركيا دولة محايدة. أولى إهتمام كبير بالمسلمين في كل أنحاء العالم وربطهم بإستانبول بالحب والإحترام فقد كان يتواجد بـإستانبول  دومًا الآف المسلمين من غير الترك يسمعون منه ويتلقون عنه الأوامر. أحبه الشعب كثيرًا وكان مخلصًا في حبه له فقد كانت نداءات الشعب المحب تتعالى حتى عنان السماء قبل عدة أيام من خلعه هاتفةعاش مولانا السلطان‘ “
أما المستشرق المجري أستاذ اللغة المشهور ورئيس جامعة بوداپست البروفيسور أرمينوس وامبري الذي زار تركيا عام 1890، وبفضل إلمامه الجيد بالتركية حصل على ثقة السلطان وهو يصف السلطان بهذه الأسطر في كتابه فيقول : “إرادة حديدة، عقل سليم، عيون معبرة مؤثرة، شخصية وخلق وأدب رفيع جدًا يعكس التربية العثمانية الأصيلة … هذا هو السلطان عبد الحميد. ولا تحسبوا معلوماته الواسعة تخص الإمبراطورية العثمانية المنهكة، فمعلوماته حول أوروپا وآسيا وإفريقيا، بل حتى حول أمريكا معلوماته واسعة وهو يراقب عن كثب جميع الحوادث في هذه الأماكن. كان متواضعاً ورزيناً إلى درجة حيرتني شخصيًا، وهو لا يجعل جليسه يحس بأنه حاكم وسلطان كما يفعل كل الملوك الأوروپين في كل مناسبة، متمسك بدينه غاية التمسك، يرعى العلماء ورجال الدين، ولا ينسى بطريق الروم وبطريق الأرمن من عطاءاته الجزيلة. إن بعض ساسة أوروپا يريدون أن يصوروا السلطان عبد الحميد عدوًا متعصبًا ضد المسيحين، وليس هناك إدعاء فارغ أكثر من هذا الادعاء. إنني أستطيع القول بكل ثقة : إنه إذا استمر الأتراك بالسير في الطريق الذي رسمه هذا السلطان، وإذا لم يظهر عائق سياسي فإنهم سيسترجعون مجدهم وقوتهم السابقة، وأكثر من هذا فإنهم سيصلون إلى مستوى الدول الأوروپية في مجال الثقافة والاقتصاد في مدة قصيرة
أما السفير الأمريكي المستر س.س. كوكس فيقول في كتابه “مذكرات دبلوماسي” واصفًا السلطان عبد الحميد: “هو أكثر الحكام الموجودين في العالم عملًا وجدًا واهتمامًا واستقامة ويقطة، وأنظفهم وجدانًا، يتعامل بصدق وبعدل مع الجميع، وكل كلمة منه تدل على طيبة قلبه وعلى ذكائه” ويستمر قائلًا: “لقد درست إصلاحات الأتراك طوال العصور الثلاثة الأخيرة وأقتنعت بأن السلطان – الذي هو تركي نقي – قادر على إعطاء الدفعة الكافية للتعجيل بالتقدم البطيء للإصلاحات التركية، وهذه الدفعة ستقدم بلده نحو النور والحرية والمدنية. إن وجود شخص صافي النية وصريح ومتفهم، ومستعد أن يحصر كله وقته لصالح أمته … إن وجود مثل هذا الشخص على رأس الدولة العثمانية، لنعمة طيبة مباركة، فالسلطان ليس شخصًا محبوبًا فقط، بل في الوقت نفسه على دراية واسعة بأمور الدولة
ويقول اللورد فيشر الشهير الذي كان قائدًا للاسطول الإنگليزي في مذكراته التي نشرها في جريدة التايمز: “بداخلي احترام عميق لشخص السلطان عبد الحميد خان، رغم أن سفيرنا لم يشاركني رأيي هذا. الذين يقفون على جوهر مثل هذه الأمور، لا يترددون في الحكم بأن السلطان عبد الحميد خان كان الأمهر والأكثر ذكائًا ودبلوماسية من كل أوروپا
ونختم بقول المسيو بودن وهو عضو فخري بالأكاديمية الفرنسية للموسيقى والآداب فيقول في مؤلفه “الآثار الجليلة الحميدية”:
بدأت الدولة العثمانية ترقى إلى المراتب العليا التي تتحق لها الرقي المادي والمعنوي في العصر السعيد، عصر السلطان عبد الحميد خان. فالحقيقة إنه منذ جلوسه على العرش فتح الكثير من المدارس؛ بقصد تعليم الشعب ما ينفعه في دنياه وآخرته. وبلغت الأمة العثمانية النجيبة رقيها في سرعة ملحوظة. وفي ظل الرقي المعرفي إنتظمت أيضًا شئون الإدارة والصناعة والتجارة والإدارة العسكرية. فقد كانت هناك رغبته الواضحة في الا يكون هناك وجود لشبهة أن الدين الإسلامي يعوق العلم والرقي. فقد تأسست وبنيت العديد من المدارس في ظرف عدة سنوات في مدن وقصبات الدولة العثمانية. وشيد في فترة قصيرة خط حديد الروميلي وخط حديد الأناضول. وإنشاء رصيف ميناء إسطنبول أعظم علامة على جهود هذا السلطان العظيم. والفخر واجب بالفنون والعلوم التي أمر السلطان بإحيائها من خلال المكتب السلطاني وسائر المدارس العليا الأخرى. وتحديث الجيش من أعمال ذلك السلطان الكبير وهي حقيقة يعلمها العالم كله “.
___________________________________________________________________
نأتي الآن للشبهات، ففي المقالة الأولى يعرض الكاتب الشبهات الآتية والتي أرد عليها ردًا تفصيليًا:
1- الشبهة: هل سيتناول المسلسل منشور عبد الحميد الثاني ضد أحمد عرابي بخروجه عن الملة بينما عرابي يقاتل الانجليز المتقدمين داخل مصر مما ساهم في هزيمته؟
الحقيقة: لتوضيح هذا الأمر يتوجب عرض جزء تاريخي بشيء من التفصيل حتى نصل لنقطة إعلان عصيان عرابي پاشا وعرض أسبابه، لذا قد يطول الرد نسبيًا.
كان الخديوي إسماعيل خديوي مصر قد نجح في أخذ إمتياز من السلطان عبد العزيز بتعيين أبنه الأكبر للحكم كوريث له، والأبناء ذات السن الأكبر عمومًا لوراثة العرش، وبالسماح بالاستدانة من الدول الأجنبية (إنگلترا وفرنسا)، واستغل هذا الإمتياز فتورط في استدانة مبالغ ضخمة من الخارج بلغت في ظرف عشر سنين “مائة مليون جنيه ذهبي” وهو دين ضخم جدًا مقابل القوة الشرائية للجنية الذهبي في ذلك الوقت، ولتقريب المسألة أقول: أن ديون الدولة العثمانية كلها -بعد جهود عبد الحميد لتخفيضها إلى النصف تقريبًا- تعادل جملة اقتراضات الخديوي إسماعيل بمفرده!! وهو خديوي على أيالة مصر العثمانية. أمام هذه الديون الضخمة اضطر إسماعيل إلى طرح أسهم قناة السويس التي كان يمتلكها للبيع؛ للعمل على تسديد هذا الدين -وإن لم يجد هذا نفعًا-، وتبلغ حوالي 44% من مجموع أسهم القناة. نجح دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا في شراء هذه الأسهم، مما أثار جنون فرنسا التي قامت بشق القناة، وبسطت بهذا إنگلترا جناحيها على مصر.
وكانت هذه هي الحجة للتدخل الأجنبي من قبل إنگلترا في شئون مصر الداخلية، وقامت حكومة إنگلترا بالضغط على الخديوي إسماعيل بشأن إدخال مراقبين أجانب إلى الحكومة المصرية، ورضخ الخديوي لهذا الضغط وأدخل في وزارته وزيريين أجنبيين: وزير إنگليزي للمالية ووزير فرنسي للأشغال، وأخذا يقللان من المصاريف؛ بحجة المحافظة على حقوق الدائنين، ويتدخلان في قضايا أخرى في الدولة بنفس الحجة. وصل عدد الجيش في عهد إسماعيل إلى 30,000 ما بين جندي وضابط، فجاء الوزراء الأجانب فأنزلوا عدد الجنود إلى 11,000 فقط، كما أحالوا حوالي 2,500 ضابط للتقاعد أي أكثر من نصف الضباط في الجيش؛ بحجة تقليل المصاريف أيضًا، مما ولد إستياء شديدًا في مصر من قبل الرأي العام، وكان الضباط المصريين هم الأغلب في اللذين أحيلوا للتقاعد وأبقوا على الضباط الأرناؤوط والأتراك والجركس، مما حرك المشاعر الوطنية في نفوس الجيش والتفوا حول عرابي.
ونتيجة لإسراف الخديوي وهذا الجو الجديد، قام السلطان عبد الحميد بعزل الخديوي إسماعيل وتعيين أبنه الأكبر وولي العهد محمد توفيق پاشا. ألتف الوطنيين حول عرابي ونجحوا في الضغط على الخديوي بتأليف وزارة وطنية، وتكون وزارة برئاسة محمود سامي البارودي أحتل فيها عرابي منصب وزير الجهادية (الدفاع). أعجب السلطان عبد الحميد بحركة أحمد عرابي بك، فأيده بمنحه رتبة مير لواء مع الباشوية، كما منحه الوسام الحميدي من الدرجة الأولى، وبذلك أصبح أمير اللواء أحمد عرابي پاشا.
سعى عرابي إلى تقوية الجيش وطرد الموظفين الأجانب من الإدارة المصرية، فأنهى عمل الموظفين مما أدى لاحتجاج إنگلترا وفرنسا وعرضت فرنسا على إنگلترا القيام بحملة عسكرية موحدة لاحتلال مصر فرفضت إنگلترا؛ لأنها أرادت إبعاد فرنسا عن مصر ذات الأهمية البالغة لها، مما أدي بفرنسا إلى الدعوى إلى عقد مؤتمر للدول الأوروپية في إسطنبول، وكان قرار هذا المؤتمر تقديم طلب للدولة العثمانية للقيام بحملة عسكرية من خمسة أو ستة آلاف جندي خلال ثلاثة أشهر لتأمين الاستقرار في مصر وإعادة الأوضاع لسابق عهدها.
رفض السلطان هذا الاقتراح، فتم نقده بشدة على أساس أنه ترك مصر وحدها في مواجهة إنگلترا، والحقيقة أن هذا الموقف يوضح حكمة السلطان البالغة، فكيف لخليفة المسلمين أن يرسل جيوشًا لمحاربة المسلمين المصريين الوطنيين؟ وبعد أن يملأ مصر دمارًا وخرابًا يقوم بتسليمها إلى سيطرة الأجانب مرة أخرى؟
كان الغرض الخبيث من إرسال قوات عثمانية إلى مصر هو إضعاف قوة الدولة العثمانية العسكرية التي كانت تعاني في هذا الوقت من أزمات مالية وعسكرية كبيرة، وفي نفس الوقت العمل على اصطدام الجيش العثماني بالمصري مما سيؤدي إلى كسر شوكة الجيش المصري والقضاء على الجيش العثماني الصغير؛ نظرًا لكبر حجم الجيش المصري، فقطع السلطان الطريق على الإنگليز وأفسد عليهم خططهم برفضه، وعلى كل الأحوال فقد كانت إنگلترا تبيت النية لاحتلال مصر كما سيأتي.
تولى عرابي پاشا رئاسة الوزراء بعد ذلك، فأعلنت إنگلترا -التي كانت تحاول إقتناص أي فرصة للهجوم على مصر- عن تشككها في قدرة حكومة عرابي على حفظ الأمن للأجانب الموجودين في مصر -وقد أعلنت سابقًا أنها ستحمي الأجانب في مصر- وانتهزت فرصة تجديد قلاع الإسكندرية وتقوية استحكاماتها، فأرسلت إلى قائد حامية الإسكندرية إنذارًا بوقف عمليات التحصين والتجديد وإنزل المدافع الموجودة بها. رفض الخديوي ومجلس الوزراء هذا مما أدى لضرب الأسطول الإنگليزي للمدينة إلى أن أستسلمت، وأضطر عرابي إلى التحرك بقواته بعيدًا عن المدينة وصولًا إلى كفر الدوار. والنتيجة هي هزيمة عرابي في النهاية في معركة التل الكبير، ونفيه إلى جزيرة سيلان، واحتلال مصر.
كان السلطان يرى أن عرابي مجرد ألعوبة في يد الإنگليز، فأسرع بإرسال كل من درويش پاشا وسيد أسعد أفندي لمصر كي يسديا النصيحة لعرابي بعدم مقاومة الإنگليز -وقد فشل هذا الوفد في إقناع عرابي وليس المجال هنا لتوضيح الأسباب- لكنه أصر على المقاومة، ولو كان عرابي قد إنصاع لهذا الأمر لكان أمر احتلال إنگلترا لمصر قد تأجل على أقل تقدير، ليتدخل السلطان بعد هذا لحل لهذه المشكلة. فأعلن السلطان على أثر هذا أمر عصيان عرابي.
ولتحليل ما أدى إلى إعلان السلطان لأمر العصيان أقول:
1- يجب القول بأن العداوة بين السلطان عبد الحميد و إنگلترا عداوة بلغت الدرجة الأولى، وكان يشترك مع عرابي في درجة العداوة هذه.
2- كان غرض السلطان عبد الحميد عدم إضاعة مصر من حظيرة الخلافة العثمانية، وبذل ما في وسعه لتحقيق ذلك.
3- إعلان السلطان لعصيان عرابي قد يكون خطأ من وجهة نظر الكثير -فالسلطان ليس معصومًا-، ولكن عمق فكر السلطان وضحالة فكر عرابي وإصراره على قتال الإنگليز أضاع الفرصة على السلطان من محاولة استدراك الأمر، فالخطأ خطأ عرابي من الأساس، وأدى في النهاية لسقوط مصر تحت الاحتلال البريطاني.
4- لم يكن أمر العصيان أبدًا بهدف مساندة الإنگليز؛ والذي يشير إليه الكاتب من صيغة سؤاله.
أما شخصية عرابي، فهي تحتاج إعادة دراسة لفحصها ومعرفة أغراضها الحقيقية، فقد سعى لدى عودته من المنفى عام 1901 إلى إقناع الإنگليز بتنصيبه ملكًا على مصر وبلاد العرب. وقد أعلن عن نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب. وقد أثارت تلك المطالبة الخديوي وأنصاره، مما عرض أحمد عرابي لحملة إعلامية شعواء تتقدمها جريدة اللواء والمجلة المصرية وأمير الشعراء أحمد شوقي والذي هجاه في 3 قصائد شعرية، حيث جاء في العدد الثاني في 15 يونيو عام 1901 ونشرتها اللواء بتاريخ 11 يوليو 1901 تحت عنوان ” عاد لها عرابي “. راجع  معرفة المصادر.
2- الشبهة: هل سيتناول المسلسل تعطيله للدستور و الدولة البوليسية التي أسسها و مارست القتل لكل معارض و من نماذج القتل دس السم للشهيد عبد الرحمن الكواكبي؟
الحقيقة: سيكون الرد هنا أيضًا طويلًا؛ لذا سأقوم بتقسيمه إلى ثلاثة ردود حسب التسلسل الوارد في السؤال، فقبل البدء بموضوع الدستور أحب التذكير بأن الدولة العثمانية كانت خلافة تحكم بالشريعة الإسلامية بتطبيق كامل في الجزء الأكبر من عمر دولتها، فكانت المصدر الأساسي للحكم في مختلف القضايا، فعندما تولى السلطان عبد الحميد السلطنة وضع في أولوياته موضوع الدستور و المشروطية [الديمقراطية] (الحكم المقيد)؛ وذلك لإصرار الصدر الأعظم حينها -رئيس الوزراء- مدحت پاشا، فطلب من علماء الشريعة وضع دراساتهم لبيان رأي الشرع الشريف (وهو أساس النظام القانوني والاجتماعي) في الدستور و تخويل المجلس بتشريع القوانين في أمور معينة، فكانت الأراء حول محورين:
الأول: قال بأن إعداد الدستور الذي هو (قوانين السياسة) أو (الأصول) وإطاعة القوانين التي يصدرها المجلس بشكل متواز مع هذا الدستور يخالف الشرع الشريف، ويفتح السبيل لقوانين مخالفة للأحكام الشرعية، واستند هذا الرأي على نقطة مهمة هي غياب شرط الإسلام عن عضوية مجلس الشورى، وقد مثل أمين الفتوى “قاره خليل أفندي” العلماء الذين ذهبوا على هذا المذهب.
الثاني: فقال بأن تشكيل مجلس تشريعي بصفة (مجلس الشورى) وإعداد قانون أساسي يُسمى (الأصول) -المقصود به الدستور- لتنظيم أسسه جائز شرعًا؛ بشرط البقاء في دائرة حق التشريع المسموح به لأولو الأمر وفقًا للشريعة الإسلامية، وكان من مناصري الفكرة العالم الشهير بديع الزمان النورسي، كما أرسل من الأزهر علماء الشريعة على المذاهب الأربعة مذكرة إلى السلطان عبد الحميد تأييدًا للمجلس الذي يمثل قلب الأمة.
أعتمد السلطان الرأي الثاني اقتباسًا من أهل الحل والعقد، وسمح بإعلان القانون الأساسي -الدستور- وذلك في عام 1876، فصار الحكم في الدولة العثمانية نظامًا مقيدًا وأٌقر لأول مرة مجلس تشريعي يناط به سن القوانين في إطار التشريع العرفي. وفي عام 1878 أٌلغيت أحكام القانون الأساسي، وعُطّل المجلس العمومي المشكل بموجبه؛ لأنهما لم يثمرا بالثمار المنتظرة منهما. وكان السبب في تعطيل المجلس والدستور هي النكبة القادمة من المجلس -الذي كان أغلب أعضائه والممثلين لجنسيات غير تركية تحكمها الدولة العثمانية مدسوسين من الدول الأوروپية، حيث يطالب جزء كبير منهم بالانفصال عن الدولة وتكوين كيانات مستقلة- والتي قادها مدحت پاشا ورفاقه في المجلس إلى الدولة العثمانية بعد أخذ أغلبية في البرلمان بدخول حرب مع روسيا عام 1877 المسماة بحرب 93 و كانت تضم (الإمبراطورية الروسية وصربيا ورومانيا والجبل الأسود ومتطوعين بلغار) ضد (الدولة العثمانية)  ونتج عنها خسائر في الأراضي وخسائر مالية ضخمة جدًا، ولعل الإبقاء على المجلس في تلك الظروف كاد أن يؤدي إلى ضياع أراضي الجمهورية التركية الحالية من المسلمين الأتراك أو إلى اضطرار القوى الملية (القوات الشعبية في حرب الإستقلال) للدفاع عن قونية وسيواس بدلًا عن إسطنبول وأزمير، فهزيمة الجيش العثماني في مواقع متعددة في هذه الحرب أدى إلى اتجاه الجيش الروسي جنوبًا لدرجة أنه كان على مقربة حوالي 50 كيلومترًا فقط من عاصمة الخلافة إسطنبول. وأذكر قول بسمارك السياسي البروسي الألماني الشهير عن هذا المجلس والذي ساند عمل السلطان: “من الواضح أن ضرر البرلمان أكثر من نفعه في دولة شعبها غير موحد.“، ولذلك أزعج قرار الحل إنگلترا وفرنسا المساندتين لإقامة دولة أرمينية ودول مستقلة أخرى للطوائف المتنوعة.
لقد خضع السلطان لمتطلبات التاريخ بإغلاق المجلس وإدارة الدولة بنفسه، فأطال عُمر الدولة ثلاثين أو أربعين سنة وسط أزمات عاصفة في الداخل والخارج، فهل هذا المجلس في مصلحة دولة الخلافة، أم هو طريقة سريعة لهدمها؟
أما عن الدولة البوليسية التي أسّسها أو جهاز المخابرات الذي أسسه السلطان، فأترك الرد فيه للسلطان نفسه من مذكراته، فيقول مبينًا الغرض منه: “حسب العرف العثماني، يتعرف السلطان على تفكير الرعية وشكواها عن طريق جهاز الحكم، من ولاته وقضاته من جانب، وعن طريق التكايا المنتشرة في ربوع البلاد بمشايخها ودراويشها من جانب آخر، فيجمع كل هذه الأخبار ويدير البناء عليها. جدّي السلطان محمود الثاني وسع دائرة مخابراته بإضافة الدراويش الرحل إليها. كان ذلك عندما ارتقى العرش، وعلى ذلك استمر. علمت ذات يوم من موسوروس پاشا، سفيرنا في لندن، أن الصدر الأعظم السابق، السَرْ عسكر حسين عوني پاشا تسلم نقودًا من الانگليز. إذا كان الصدر الاعظم وهو يحكم البلاد باسم السلطان يخون دولته، فإن مخابراته لابد أن تبلغ القصر على أنه يؤدي عمله على الوجه الأكمل، لذلك تكدرت وتأثرت في أثناء تلك الأيام قابلني محمود باشا، وأدلى إلي ببعض معلومات عن بعض أعضاء تركيا الفتاة، وكانت الاخبار التي قدمها لي هامة. سألته عن طريق حصوله عليها، فعرفت أنه أنشأ مخابرات خاصة، واحتوى -بالنقود- أقاربًا لبعض الأشخاص من “تركيا الفتاة”، وهؤلاء كانوا يقابلون أقاربهم ويسمعون منهم ثم يخبرونه فيدفع لهم. صحيح أنه زوج أختي، إلا أنه لا يصح أن يقيم أحد پاشوات الدولة مخابرات مستقلة عن مخابرات الدولة. قلت له أن يحل جهازه هذا فورًا، وألا يعاود العمل بمثل هذا الأمر مرة أخرى، أحال إليّ جهازه هذا، وهو متضايق كثيرًا. لا يمكن للدولة أن تكون آمنة، إذا تمكنت الدول الكبرى أن تجند لخدمة أهدافها أشخاصاً في درجة وزير أعظم. بناءً على هذا قررت إنشاء جهاز مخابرات يرتبط بشخصي مباشرة، وهذا هو الجهاز الذي يسميه أعدائي بالجورنالجية (الشرطة السرية = المخابرات)، وكان ضروريًا أن أعرف أن بين أعضاء جهاز الجورنالجية (المخابرات) المخلصين الحقيقيين أشخاصاً مفترين، لكني لم أصدق ولم آخذ بأي شيء يأتي من هذا الجهاز مطلقًا دون تحقق دقيق. كان جدّي السلطان سليم يصيح قائلًا: “إن أيدي الأجانب تتجول فوق كبدي، وعلينا أن نرسل السفراء الى الدول الأجنبية لنقل أساليب التقدم الأوروپي وعلينا إرسال الرسل إلى الخارج، ولنعمل سريعًا على تعلّم ما وصلوا إليه”. كنت أحس أنا أيضًا بأيدي هؤلاء الأجانب، ليست فوق كبدي، وإنما في داخله. إنهم يشترون صدوري العظام ووزرائي ويستخدمونهم ضد بلادي. كيف يحدث هذا وهم الذين أنفقت عليهم من خزانة الدولة ولا أستطيع معرفة ما يعملونه وما يديرون ويعدون؟ نعم، أنا أسست جهاز الجورنالجيه (المخابرات)، وأنا أدرته، لكن متى حدث هذا؟ بعد أن رأيت صدوري العظام يرتشون من الدول الأجنبية مقابل هدم دولتهم والتآمر على سلطانهم. أسست هذا الجهاز لا ليكون أداة ضد المواطن، ولكن لكي يعرف ويتعقب هؤلاء الذين خانوا دولتي، في الوقت الذي كانوا يتسلمون فيه رواتبهم من خزانتها، وفي الوقت الذي كانت النعمة العثمانية تملؤهم حتى حُلُوقهم“.
ومن أمثلة فوائد جهاز المخابرات أنه كان مثيرو الشغب والإرهابيون يثيرون الأرمن للتمرد ضد الدولة العثمانية، فكان الجنود يتصدون لهم وتُراق دماء كثيرة … كان جهاز السلطان عبد الحميد -خلال ثلاثين سنة- يخبر السلطان فور ظهور كل حركة ولذلك تمكن السلطان من إخماد كل تمرد داخلي في حينه. وللأمانة التاريخية، فإنه مع طول حكم السلطان الذي وصل إلى 33 عامًا للدولة، نتج في نهاية عهد السلطان تجاوزات من هذا الجهاز، شأنه شأن أي جهاز بوليسي في أي دولة، ولكنه لم يكن أبدًا موجه ضد الشعب أو للعمل على قتل المعارضين كما يزعم الكاتب.
كان السلطان عبد الحميد دمويًا !!! حسنًا أين هي الأمثلة -الأسماء- التي تقول عنها والذين قام بقتلهم السلطان؟ هل تقصد مدحت پاشا -رئيس الوزراء الذي ذُكر في الفقرة الأولى من الشبهة- الخائن أحد عملاء الإنگليز الذي كان له يد في قتل السلطان عبد العزيز أم من؟ لم يُعرف عن السلطان حبه للحروب أو القتل أو سفك الدماء بل عُرف برحمته التي حاول أعدائه تشويها، ولم يقم السلطان في تاريخه كله في خدمة الدولة، بالتصديق على تنفيذ حكم الإعدام إلا أحد عشر مرة:
الأولى: حين أطلق أحد رؤساء الخدم النار على منافس له بعد وقوع شجار بينهما داخل القصر السلطاني وكانت في نية السلطان تبديل حكم الإعدام إلى السجن ولكن شيخ الإسلام تدخل قائلًا للسلطان إن لم يعدم هذا فلن يكون هناك قوة رادعة في هذه الدولة.
الثانية: عندما قتل شخص أبيه وأمه فتم إعدامه، ومثبت في وثائق أرشيف قصر يلدز أكثر من 100 حادثة تم الحكم عليها بالإعدام وحولها السلطان كلها للسجن. ومن أشهر أمثلة تخفيف حكم الإعدام حادثة مدحت پاشا الذي اعترف بتورطه في قتل السلطان عبد العزيز، فحكم عليه بالإعدام وتدخل السلطان لتخفيف الحكم إلى السجن، ولو كان السلطان يريد قتله لوافق على تنفيذ الحكم فيه بدل من إرساله لسجن الحجاز- وأمر السلطان بصرف مرتبه لأسرته بصورة منتظمة – أما مسألة قتله بداخل السجن فهي بعيدة تمام البعد عن السلطان، ومن المعروف ومثبت تاريخيًا أن هناك عميل إنگليزي حاول تهريب مدحت پاشا من سجن الطائف على متن باخرة إنگليزية ولكنه فشل. إضافة لهذا نجد الإرهابي المحترف صانع المتفجرات البلجيكي المسمى “إدوارد يوريس” الذي قام بتصنيع القنبلة الموقوتة التي حاول بها الأرمن بالإتفاق معه قتل السلطان بعد خروجه من صلاة الجمعة، والتي انفجرت في عربة تقف بجوار عربة السلطان قبل وصوله لعربته، والذي أعترف بتهمته أمام المحكمة في أنه من قام بهذه العملية، وحكم عليه بالإعدام، فتدخل السلطان وقام بتخفيض الحكم من الإعدام إلى النفي خارج البلاد فقط. أما إدعاء الكاتب بشأن دس السم لعبد الرحمن الكواكبي فلا يوجد دليل على أن السلطان عبد الحميد قتله، بل كان له أعدائه في مصر، ونسب عملية القتل للسلطان خزعبلة مريضة.
3- الشبهة: هل سيتناول المسلسل دور عبد الحميد الثاني في تسليم الاقتصاد العثماني لأوروبا عبر صندوق الدين العثماني الذي وافق على تأسيسه ليسيطر على موارد البلاد و يدس وزراء أجانب في الحكومة؟
الحقيقة: من يقرء هذا السؤال يظن أن السلطان كان خائنًا لدولته. شيء يدعو للضحك :D
الحقيقة إن مشكلة الديون هذه هي من أحد المشاكل العويصة التي ورثها السلطان عبد الحميد، بل ربما هل أكبر مشكلة واجهته منذ توليه السلطنة، فقد تفاقمت هذه الديون بصورة كبيرة منذ العهد الأخير لعمه عبد العزيز؛ فكانت النسبة العظمى من الديون هي ديون لإنگلترا وفرنسا، وكانت هذه الديون مع فوائدها تشكل نزيفًا مستمرًا لخزانة الدولة. وعندما عجزت الدولة العثمانية عن تسديد ما عليها من أقساط عام 1875 أعلن ما يسمى بإفلاس الدولة العثمانية فأصبحت الدول وبيوت المال ترفض إقراضها. جاءت الحرب العثمانية الروسية 1877-1878 -التي أقحم فيها مدحت پاشا الدولة العثمانية- بعد ذلك فقضت على البقية الباقية لقدرة الدولة المالية، حيث أضافت على كاهلها آثار حرب باهظة، بالإضافة لمصاريف هائلة أثناء تلك الحرب. كان السلطان طوال فترة حكمه يرفض دائمًا المراقبة السياسية الأوروپية التي تُمارس على الدولة العثمانية، وبذل جهده في تطبيق سياسة مستقلة، وكان يعلم مدى خطورة هذه الديون على الدولة، فهي حجة قوية لتدخل الدول الأوروپية الدائنة في شئون الدولة، وبعد فترة أهتدى السلطان لحل لهذه المشكلة، فكانت أول قرارته في نوفمبر 1879 توصل فيه إلى إنفاق بين رجال بنك الدولة “گلاطة” وممثلي البنك العثماني، وأعلن مرسوم باسم “الرسوم الستة”؛ لأداء مبلغ مليون و350 ألف ليرة بأن تكون حاصلات رسوم كل من واردات ( الطوابع المالية – المسكرات – الملح – السمك – الحرير – التبغ) لأداء الديون الخارجية وذلك بشكل مستمر. أصدر السلطان كخطوة ثانية فرمان يسمى “فرمان المحرم” في 1881، شكلت بمقتضاه “لجنة إدارة الديون العمومية”، هذه اللجنة تتكون من سبعة أعضاء تمثل الجهات الدائنة، وعمل السلطان على التفاوض مع ممثلي هذه الجهات الدائنة، واستطاع بفضل هذه اللجنة تخفيض ديون الدولة البالغة حينذاك -مع فوائدها- 252,801 مليون ليرة إلى 106,437 مليون ليرة، أي أكثر من النصف، كما تم تخفيض الفوائد إلى 1% فقط، وأصبحت الديون تُدفع بصورة منتظمة للدائنين، فكانت هذه المؤسسة بمثابة وزارة مالية ثانية، لا شك أن هذه الإدارة كانت تأخذ جزء كبير من عائدات الدولة، وكانت الدولة تمر بفترات من الأزمات مالية، حيث لا يستلم الموظفون مرتباتهم في بعض الأحيان إلا كل شهرين. ومع نهاية عهد السلطان كان قد سدد الجزء الأكبر من الديون وهو ما يقرب من ثلاثة أرباعها، وبهذه الخطوة استطاع السلطان إزالة عامل مهم من عوامل التدخل في شئون الدولة. نختم بقول السلطان وهو يتحدث عن مسألة الديون: “عندما توليت العرش كانت ديوننا تقترب من ثلاثمائة مليون ليرة، وفّقت إلى تخفيضها إلى ثلاثين مليون ليرة، أي إلى العشر، وذلك بعد دفع ما تطلبته حربان كبيرتان وسحق بعض تمردات داخلية، أما ناظم بك ورفاقه فقد رفعوا هذا الرقم [بعد تولي "الاتحاد والترقي" الحكم بعدي]، من ثلاثين مليون ليرة إلى أربعمائة مليون ليرة، يعني إلى ثلاثة عشر أمثاله!!
يتضح من هذه الأدلة صدق السلطان ورغبته في إزالة نير الديون الضخم عن كاهل الدولة، فهل كان لتأسيس السلطان لمؤسسة الديون العمومية بغرض تسهيل التدخل الأجنبي في شئون الدولة كما يزعم الكاتب؟؟
4- الشبهة: هل سيذكر المسلسل أن عبد الحميد الثاني منع وجود سفن عسكرية عثمانية في المضايق الهامة البوسفور و الدردنيل تجنباً لغضب أوروپا معرضاً بلاده للخطر؟
الحقيقة: هذه الشبهة وشبهة أخرى تقول بأن السلطان أهمل الأسطول شائعتان دون وجود دليل على صحة هذا الكلام، فالأسطول الذي شُيد في عهد أبيه السلطان عبد المجيد وطُور بصورة كبيرة في عهد عمه السلطان عبد العزيز قد سُحب إلى خليج القرن الذهبي من قبل السلطان عبد الحميد، و كان ترك السلطان عبد الحميد الأسطول معطلًا من أهم أوجه النقد والإتهام التي ألصقت به، والسبب والدافع لقيام السلطان بهذا العمل ليس تجنبه لغضب أوروپا كما يزعم الكاتب؛ وإنما سيطرة القواد الإنگليز على الأسطول، فقادة الأسطول جلهم من الإنگليز الذين هم العدو الأول للسلطان وللدولة، ولم يخرج الأسطول من الخليج قط حتى إعلان الحرب التركية اليونانية، وأخرج الأسطول في هذه الحرب بناء على أمر من السلطان، بيد أنه منعه من الإبحار أو الاشتراك في الحرب بسفنه المعطلة الفاسدة. وأترك الدفاع للسلطان نفسه الذي يذكر في مذكراته الشخصية السبب وراء سحبه للأسطول:ومقابل هذا، أظهرت هذه الحرب (الحرب العثمانية الروسية) أن الأسطول لم يكن فعالًا رغم كثرة عدده. ربابنة سفننا كلها تقريبًا كانوا من الإنگليز، يعني أن اسطولنا كان في يد الإنگليز. عندما أردنا تغير بعض ربابنة هذه السفن، هرع السفير الإنگليزي إلى القصر، ولم يخجل من التحدث بصراحة وأن يعلق على هذه المحاولة بشكل لا يجعلنا نثق في إنگلترا. على هذا يمكن القول بأنه لم يكن لدينا أسطول، إنه يستعدي علينا إنگلترا وفرنسا من ناحية، ولم يثبت فعاليته في أي عمل في الحرب من ناحية أخرى، ولا يعقل المحافظة على شيء قديم عديم الفائدة ينتج عنه ضرر. أمرت بسحب الأسطول إلى الخليج وهكذا أفهمت الفرنسيين والإنگليز أنه ليس لدينا النية أن ننافسهم في البحر الأبيض، والحقيقة أن هذا التصرف جعل الإنگليز والفرنسيين يبتعدون عن التصادم بنا لفترة طويلة. في مقابل هذا، أسرعت بتجيهز الجيش بالأسلحة الحديثة وإعداده بما هو مناسب من أسطول وفنون الحرب المتطورة. واستدعيت إلى استانبول الضابط [الألماني] الكبير “كولمار فون در گولتس. إني لو أتحدت مع دولة تسود البحار في الحرب التي أتوقعها ولي أمل في قيامها -يقصد السلطان الحرب العالمية الأولى- في ذلك الحين تكون جيوشي مستعدة للعمل، وسيقوم أسطولي بتسهيل مهمتي، وفوق هذا سيكون تحت يدي جيش يجيد تمامًا حيل الحرب التي تلجأ إليها الأمم التي سأحارب ضدها.بالإضافة لكلام السلطان، فلا يوجد أي دليل يثبت بأن الأسطول في عهد عبد الحميد أُهمل، بل على العكس فالأدلة كثيرة  وتدل على قيام السطان بتطويره وسداد ديون سفن حربية تم شرائها حتى قبل توليه السلطنة، وقد أضيف في عهده بوارج كثيرة وغواصتان، الغواصة عبد الحميد وهي أول غواصة في العالم تطلق طوربيد من تحت سطح الماء، والغواصة عبد المجيد، وكان سلاح الغواصات ما زال حديثًا، إضافة لهذا فقد دفع السلطان من ماله الخاص تكاليف تجارب بناء الغواصات في إسطنبول. ارتفعت عدد السفن الحربية المتبقية منذ عهد السلطان عبد العزيز من 39 سفينة إلى 85 سفينة حربية و 79 سفينة مساعدة في عهد السلطان عبد الحميد، وكانت تتكون ما بين سفن حربية وفرقاطات مدرعة ( فرقاطة المسعودية التي جهزت بأحدث الأسلحة والآلات، فرقاطة الحميدية، وفرقاطة معين الظفر وفرقاطة الأورخانية، فرقاطة العزيزية ) وطرادات ( طراد المنصورة، وطراد حفظ الرحمن، وطراد هيبة النعمة ) وعوامات و حاملات طوربيد، وقد أستخدمت هذه السفن في حروب البلقان والحرب العالمية الأولى بل وفي حرب الإستقلال. أمر السلطان بإرسال كثير من السفن الحربية للإصلاح خارج البلاد لأول مرة بعد انقضاء عصر عمه عبد العزيز، وتم تصنيع جزء آخر من السفن في ترسانات داخل البلاد، وأصبح الطراد المسمى “حامدية” كالأسطورة على ألسنة الناس؛ بسبب المعارك الناجحة عام 1912 وكانت الأوامر التي أصدرها عبد الحميد في هذا الصدد تنص على الآتي :
1- إرسال الطراد الحربي ” حامدية ” وكذلك الطراد ” داراما ” إلى إيطاليا، أما الطرادان ” بيركي ستوفت ” و ” بيكي شوكت ” فيتم إرسالهما إلى ألمانيا.
2- إرسال 4 قوارب من طراز “سامون” إلى فرنسا وترسل إلى إيطاليا مرة أخرى قاربان طوربيد واحد يسمى “عبد المجيد” والآخر يسمى “يونس”.
3- يُرسل إلى ألمانيا 4 قوارب طوربيد من طراز “فاتح” و 5 قوارب طوربيد من طراز “يتر ظفر” أي سهم النصر.
4- يرسل 8 قوارب طوربيد من طراز “نعمة” إلى فرنسا، بالإضافة إلى 213 سفينة مدفعية، وتم إعداد كل هذه السفن الحربية وإصلاحها على الوجه الأمثل ثم عادت مرة ثانية إلى الدولة.
كان الفضل لله ثم للسلطان عبد الحميد في القيام بهذا الواجب الوطني في تحديث الأسطول وتطويره وفق أحدث التكنولوجيا، وهو يستحق كل ثناء وتقدير للسلطان، ولو لم يرد تطوير الأسطول لكان ظل على تركه ملقى في الخليج، وأعتقد أن هذا يكفي للرد.
5- الشبهة: هل سيذكر المسلسل أن عبد الحميد الثاني أهمل الجيش حتى تردت أحواله لدرجة أن الجيش فشل في صد هجوم مستعمراته السابقة بلغاريا و اليونان و صربيا و مقدونيا في حرب البلقان الأولى بالعام 1912؟
الحقيقة: من ضمن الإرث الثقيل الذي ورثه السلطان عبد الحميد أرث الجيش، فبعد الحرب العثمانية الروسية 1877-1878 التي مُنيت بها الدولة العثمانية بهزيمة كبيرة مع فقدان الكثير من الأراضي وخسائر مالية باهظة، عمل السلطان على تقوية الجيش وسد حاجاته، وزيادة تسليحه وتعليم الضباط الأصول الحديثة للحرب. فأمر بتحديث الجيش وتقويته أمر أساسي وإن أرهق هذا خزانة الدولة المثقلة بالديون، لذا اتبع سياسة اقتصادية تقشفية ووجه جزءًا كبيرًا من إمكانيات الدولة لتقوية الجيش للدفاع عن الدولة ضد أعدائها، فأمر بتأسيس “لجنة التجهيزات العسكرية” (التي أصبحت بعد ذلك نظارة هامة جدًا وقام بإلغائها الاتحاديين)، وقد أفادت تلك اللجنة إفادات عظيمة في تلبية حاجة الجيش من الأسلحة والمعدات البرية والبحرية، من تزويده بالرصاص والبارود والمدافع والإسهام في تقديم المساعدات اللازمة التي تجاوزت مئات الآلاف من الليرات في صناعة السفن الحربية الحديثة والمدافع في المعامل العثمانية.
وأقول أن السلطان بذل جهودًا مضنية في سبيل تقوية الجنود وتعليمهم وتجهيزهم، فبعد أن وجد السياسة الداخلية والعلاقات الدولية لصالحه، شرع في وضع خطة تحديثية شاملة للجيش، فخدمات السلطان في الساحة العسكرية جديرة بالتقدير والاحترام، ويمكن أن أذكر منها في نقاط:
1- العمل على زيادة المدارس الابتدائية والإعدادية العسكرية.
2- إصلاح الكثير من المؤسسات العسكرية وتجديدها واستحداث العديد منها.
3- تأسيس مدرسة التدريبات الطبية العسكرية عام 1898 بـ”كلخانة”، وهي مدرسة لا نظير لها إلا ڤيينا؛ بغية قيام الطلاب المتخرجون منها بقضاء فترة تدريبهم بها واكتساب الخبرات اللازمة وأصبح هؤلاء الطلاب أطباء يقومون بالتدريس في كلية الطب بعد ذلك .
4- استقدام معلمين أكفاء من ألمانيا من أجل المدرسة الحربية، كما استعان بالضباط الألمان لتدريب الجيش العثماني؛ وذلك بإرسال الطلاب والضباط العثمانيين إلى ألمانيا ليتعلموا فيها الاصطلاحات العسكرية  ونظم الجيش الحديثة.
5- أولى اهتمامًا بسلاح المدفعية وجعله في مستوى فرقة.
6- زود الجيش بالكثير من البنادق وفئات المدافع سريعة الطلقات.
7- ربي وأعد في عهده كل ضباط الجيش وقادة الكفاح الوطني الذين خاضوا حروب البلقان والحرب العالمية الأولى ومنهم من حقق النصر في حرب الاستقلال.
8- قام بتقوية استحكامات مضيق إسطنبول، وچناق قلعه [الدردنيل] و. وقد دافعت “چناق قلعه” عن نفسها واستطاعت إحراز النصر في الحرب العالمية الأولى ضد الجيش البريطاني وحلفائه بفضل التعزيزات التي قام بها السلطان.
أما عدد الجيش في عهد السلطان في أراضي الدولة العثمانية فكان يصل إلى حوالي مليون جندي تحت السلاح، وكان ينقسم إلى سبعة جيوش ويتألف كل جيش من فرقتين أصليتين وفرقتين احتياط وفرقتين للحراسة. وفرقة فرسان وفرقة مدفعية، وكان يتكون من وحدات نظامية ووحدات خيالة، وكان الجيش في حالة الحرب يمكنه أن يرتفع إلى 19 وحدة نظامية و20 احتياطية، و10 مستحفظان، 49 مشاه، 7 خيالة، و5 فرق مدفعية، بالإضافة إلى 3 ألوية (الآي) خيالة مستقلة، 3 ألوية مدفعية، وطابور مدفعية، ونجح جزء من الجيش بناء على التنظيمات السابقة في هزيمة اليونان، وذلك في فترة قصيرة لا تتجاوز شهرًا.
أما ما تعرضت له الدولة من هزيمة في حرب البلقان الأولى أدت لفقدها كل أراضيها تقريبًا في أوروپا، فلم يكن تقصيرًا من السلطان، فقد جهّز السلطان وأعدّ الجيش والأسطول بأحدث التسليحات وأتم تدريب الجيش على أكمل وجه، الهزيمة جاءت من عصابة الاتحاد والترقي بعد تقلدها أمور الدولة، التي أخذت تتهاوى أمام الحماقات التي كانت يتخذها قادتها، وفي سنوات معدودات هدمت ما بناه السلطان في 3 عقود، فكانت نهاية الدولة على يديها، فلعنة الله على كل خائن .
___________________________________________________________________
الله هي آخر كلمة نطق بها السلطان عبد الحميد بقوة قبل أن يسقط فنجان القهوة من يديه، وتفيض روحه إلى بارئها، فنسأل الله له الفردوس الأعلى اللهم آمين.
أختم وأقول بأني قمت بهذا العمل الطويل للرد على الشبهات وتفنيدها؛ لإثبات أنها كلها عبارة عن أكاذيب تستقر في رأس حاقد، وللقول بأن كل مسلم يجب عليه الفخر بتاريخ السلطان رحمه الله، كما أرى أن على كل مسلم العمل على قراءة ودراسة سيرة حياته ليستفيد منها، فهو واحد من خلفاء الدولة الإسلامية المميزين والعظام، فأدعو الله أن يجمعنا نحن المسلمين معه في الجنة.
___________________________________________________________________________________
المصادر المُعتمد عليها :
1- السلطان عبد الحميد خان الثاني المفترى عليه، دارسة من خلال الوثائق، عمر فاروق يلماز، ترجمة طارق عبد الجليل السيد، مراجعة أ . د الصفصافي أحمد المرسي،  دار نشر عثمانلي – إسطنبول
2- السلطان عبد الحميد الثاني شخصيته وسياسته، سليمان قوجه باش، ترجمة عبد الله أحمد إبراهيم، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2008
3- مذكرات السلطان عبد الحميد، تقديم وترجمة الدكتور محمد حرب، دار القلم، 1991
4- السلطان عبد الحميد الثاني حياته وأحداث عهده، أورخان محمد علي، دار النيل للطباعة والنشر، الطبعة الرابعة، 2008
5- الدولة العثمانية المجهولة، 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية، أحمد آق گوندوز، سعيد أوزتورك، وقف البحوث العثمانية، 2008

السبت، 6 أبريل 2013

حقيقة مسألة قتل الأخوة في التاريخ العثماني

بسم الله الرحمن الرحيم
تعتبر مسألة قتل الأخوة بعضهم لبعض طمعًا في السلطنة أحد القضايا التي تمثل جانب هام في الهجوم على التاريخ العثماني، حيث يتم دائما نسب الهمجية والبربرية لسلاطين وأمراء الدولة بناء على هذا الأمر. والحقيقة أن مسألة قتل الأخوة كانت مسألة "قانونية" موضوع لها قانون ضمن القوانين التي وضعها الفاتح والتي تنظم لمسائل الدولة الجنائية، وقبل شرح السند الشرعي والقانوني لمثل وجود هذه المادة ضمن القوانين والتي من الممكن أن تشكل "حيرة" للكثير من وجودها، نلقي نظرة على أنواع العقوبات في الإسلام؛ حيث أن القوانين العثمانية كلها كانت مستمدة من الشريعة الإسلامية -في الغالبية العظمى من حياة الدولة-. وللعقوبات في الإسلام أنواع ثلاثة:
أ- "الحدود" وهي عقوبات ذُكرت نصًا في الشرع بناء على الجرائم: (السرقة- شرب الخمر- قطع الطريق 'الحرابة'- الزنا - الردة 'مختلف فيه' - القذف - البغي). ولها شروط طويلة كي تُطبق لا حاجة لنا لذكرها هنا.
ب- "التعزير": الجرائم التي لم يرد فيها نص شرعي بعقوبة معينة، فلا تستحق إقامة الحدود، كتناول المخدرات والإتجار فيها، والدولة في هذه الحالة لها الحق في اختيار العقوبة المناسبة التي تراها.
ج- الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص، وعقوبتها هي القصاص أو الدية.
بعد هذه المقدمة القصيرة الموجزة، نورد النص الوارد في القانون العثماني الخاص بهذه المسألة مع شرحه: "إذا تيسرت السلطنة لأي ولد من أولادي فيكون مناسبًا قتل إخوته في سبيل تأسيس نظام العالم، وقد أجاز هذا معظم العلماء، فيجب العمل به." ولشرح هذه المادة نقول: إن عقوبة الإعدام في كل نظام قانوني وحقوقي للمحافظة على الصالح العام، أي "نظام العالم" حسب تعبير القوانين العثمانية، أي لصالح "نظام المجتمع" بالتعبير الحالي. ويوجد في كل دول العالم في الوقت الحالي قوانين مماثلة بها عقوبة الإعدام لكل من "يعصي" الدولة، كما في القانون الجزائي التركي الحالي ما بيد المادة 125 والمادة 163، تقوم بالإشارة إلى عقوبة الجرائم المرتكبة في حق الدولة أي في حق "نظام العالم" بالتعبير العثماني.
والآن لنشرح كيف تأخذ هذه الأحكام أماكنها في الشريعة الإسلامية، وكيف يمكن ملاءمتها مع الحكم الوارد في قوانين "الفاتح":
1- مسألة قتل الأخوة نتيجة تطبيق وإقامة حد "البغي"، أي حد العصيان ضد الدولة،  ويمثل المرتكز الشرعي الأول لمسألة القتل هو وجود جريمة العصيان بالخروج على الدولة "بالسلاح" وموالاة الأعداء، وتدخل هذه العقوبة في الإسلام ضمن جريمة حد "البغي"، والذي تتكون بنوده من محاولة الخروج على الإمام أو السلطان ومحاولة الإستيلاء على الحكم بالسلاح والقوة والمغالبة، أي وجود هدف العصيان بشكل واضح. ولا يجوز بناء على ما سبق التعرض لمن يخالف رأي السلطان بصورة سلمية،  أو لم يعلن عصيان مسلح، فإن أعلنوا عصيانًا توقع عليهم عقوبة الإعدام، أي في مصطلحات عصرنا هذا الإعدام لارتكابهم "خيانة العظمي"؛ وذلك صيانة للدولة. وقد عد "فقهاء" الدولة ومشرعوها كل تمرد بالدولة يؤدي للإخلال بالأمن العام وبـ"نظام العالم"، فسادًا وجريمة "بغي" القائمين بها يسمون "بغاة"، وأوضحوا في فتواهم بأن عقوبة هؤلاء هي الإعدام؛ ولو كان العاص شقيق السلطان أو ابنه. ونضرب مثال على الامتثال لهذه الأوامر الشرعية ما قام به السلطان "مراد الأول" مع ابنه "ساوجي" والذي سار على رأس جيش ضد والده متحالفا مع البيزنطيين، ووقع أسيرا في يد الجيش العثماني، وأسر السلطان على عرض أمره على علماء الشريعة وقضاتها، فحكموا عليه بالإعدام. أشفق رجال الدولة على السلطان من فاجعة قتل ولده، وتوسطوا لديه كي يعفوا عنه ويكتفي بنفيه، ولكنه أصر على تنفيذ الأوامر الشرعية وأمر بأن يقتل ابنه، وقتل بالفعل.

نموذج آخر من نماذج العصيان التي تم تنفيذ القانون فيها، هي إعدام السلطان سليم لأخويه، فأحدهما لجأ لإيران الصفوية -أكبر أعداء الدولة العثمانية- وتعاون معها ضد الدولة، والآخر كون مجموعة من العصابات المسلحة وأعلنا العصيان على الدولة.  وتوفت عناصر جريمة "البغي" الشرعية في النموذجان واكتملت أركانها فاستحقا العقوبة، ومثل هذه الحوادث تشكل المادة الأولى من قوانين "الفاتح" التي تسمح بإعدام الأخ الباغي أو الابن الباغي.
ومع أن هذا كان التفسير النظري لهذه المادة، إلا أن التطبيق العملي لم يُنفذ دائما بناء على التنظير، فقد وقعت عقوبة الإعدام على أبناء وأخوة السلاطين على الرُغم من عدم توفر الشروط اللازمة لهذا الإعدام، فإعدام طفل رضيع قطعًا أمرا لا يمكن تبريره ولا الدفاع عنه شرعا وعقلا -ولم يفعله الفاتح كما سنوضح لاحقا بإذن الله- في ظل الشروط الموضوعة لتنفيذ هذا القانون. ونعلم من الفتاوى الصادرة بأن نصف حوادث القتل وإعدام الأخوة والأشقاء، دخلت ضمن نطاق إقامة حد البغي، ولكنه للأمانة العلمية التاريخية "لم يكن كله صحيح مكتمل الأركان"؛ وذلك بسبب وجود شهادات الزور والرشاوي، بالإضافة لما يُعرفون "بفقهاء السلطان"، فأصدروا فتاوى بقتل أشخاص لا شبهة لهم في القيام بالبغي من قريب أو بعيد، ولعل أبرز الإعدامات ظلمًا بسبب الرشاوي والكذب هي إعدام الأمير "مصطفى" ابن السلطان "سليمان القانوني" . راجع الأمر هنا: http://bit.ly/12qQExg

ولعل نص الوثيقة الآتي والموجود في الأرشيف العثماني برئاسة الوزراء التركية حاليا، مثيرة للاهتمام والتي يتم من خلالها شرح من هم "البغاة" الذين يُطبق عليهم الإعدام: " البغاة أي العصاة هم -كما جاء في كتاب الملتقى وغيره من كتب الفقه- أفراد أو فرد من المسلمين أعلنوا عصيانهم وتمردوا على أوامر الحكومة، فإن أصر المسلمون على البغي وعلى العصيان أعدموا. ولكن إن كانت هناك عقوبات أخف من الإعدام تؤدي إلى تهدئة الفتنة وتكون كافية يجب الأخذ بهذه العقوبة ". والشيء الملفت للنظر أن العلماء الذين شرحوا 'الملتقى' أعطوا معاني واسعة لجرائم البغاة، فقد عدوا جميع حالات التمرد على الأوامر المشروعة للسلطان، وكل إخلال للأمن العام أي لـ "نظام العالم"، وكل حركة تمرد وعصيان وفتنة وفساد وقتل الناس واغتصاب الأموال ومنع الحكومة من أداء أعمالها ... عدوا كل هذه الحالات جرائم بغي. " وبناء على هذا فلا يجوز شرعا قتل أي أحد بسبب شائعات وأقوال فلان أو علان. ونستطيع أن نذكر بناء على هذا الحكم الشرعي عمليات الإعدام التي تمت بناء على هذا القانون وهي : إعدام صاوجي بك ابن السلطان مراد الأول -ومذكورة الواقعة في نهاية المقال الأول-، إعدام "خليل" و"إبراهيم" شقيقا السلطان "مراد الأول"، إعدام "مصطفى" شقيق السلطان "مراد الثاني"، إعدام "كوركود" و "أحمد" شقيقي السلطان "سليم الأول"، إعدام "بايزيد" ابن السلطان "القانوني" وخمسة من أولاده.

ب- "القتل سياسة"، أو التعزير بالقتل: وهي في الحالات التي لا يتوافر فيها الشروط السابقة وعناصرها كلها، ولكن يرى أولوا الأمر في حالات معينة أنه لا ينصلح حال وأمور الدولة إلا بها، مثل القيام بأعمال شغب كبيرة وتكرارها أكثر من مرة، أو القيام "باللواط" والذي لا يمكن اعتباره جريمة زنا وفي نفس الوقت لا يجوز عدم اعتباره جريمة، وقد أجاز فقهاء المسلمون توقيع عقوبة الإعدام لمن اعتاد على ارتكاب هذا الأمر بصورة مستمرة أدت لاشتهاره به؛ للمحافظة على الأخلاق العامة، وصيانة للمجتمع، وهو ما يسمى في القوانين العثمانية بـ "القتل سياسة". وينطبق الأمر في هذا الشأن على من يثبت عليه التدبير لإعلان عصيان على الدولة أو تفتيتها، أو الإخلال بوحدة أراضي الوطن، كما هو الحال في القانون رقم 125 في القانون الجنائي التركي في الوقت الحالي. ولقد تم استغلال هذا القانون كذلك بشكل غير عادل في أحوال، أدى لتوقيع العقوبة على أشخاص أبرياء لا ذنب لهم؛ مستغلين بذلك فتوى شرعية غير مكتملة الأركان لتحقيق مصالح شخصية.

وبناء على ما سبق، فإننا نذكر ملخص لكلام "ابن عابدين" الذي يعد من كبار علماء وفقهاء المذهب الحنفي -المذهب الرسمي للدولة العثمانية- المتأخرين في موضوع القتل عن طريق التعزير، فهو يقول: "قد يكون التعزير بالقتل أيضًا، فقد رأيت ابن تيمية يقول في كتابه "الصارم المسلول: 'يذهب فقهاء الحنفية إلى أنه يجوز لأولي الأمر قتل المذنب إن تكرر قيامته باللواط، أو بالقتل دون استعمال آلات جارحة وما شابه من الجرائم. وقد حمل الفقهاء الحنيفيون عقوبة القتل عن طريق التعزير إن اقتضت تلك مصلحة العامة على تطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة.' ويطلق الفقهاء على هذا اسم "القتل سياسة". ويسري هذا الحكم على اللصوص والنهاب وقطاع الطرق وسارقي الدكاكين والمخلين بأمن المجتمع والمفسدين والظالمين والمعاونين على نشر الفساد، وعلى كل من يقتضي إعدامه لحفظ المصلحة العامة" . وعلى عكس كثير من الادعاءات الخالية من الدليل، فجميع كتب الفقه وكذلك القوانين العثمانية تنص عل أن جميع هذه العقوبات لا تُنفذ إلا بعد إجراء المحاكمة وصدور القرار من المحكمة. والفتوى الآتية كذلك "لابن عابدين" توضح المسألة تمام الإيضاح: "سؤال: ما حكم من يقوم بالفساد وبالنميمة ويعين على ظهور الفساد في الأرض، ويوقع الشر والفتنة بين الناس، ويسعى لأكل أموال الناس بالباطل، ولا يتورع عن قتل الناس، والخلاصة أنه لا يتورع عن إيذاء المسلمين بيده ولسانه على الدوام، ولا يردعه أي شيء غير الإعدام؟ الجواب: إن تأكد هذا بشهادة جمع من المسلمين لا يمكن إجماعهم على الكذب فإنه يُقتل، ويثاب من كان وسيلة لذلك؛ لأنه دفع الشر عن عباد الله".
ومن أمثلة هذه الفتاوى كثير جدًا، وكلها تقوم على شروط معينة بحيث لو تمت توافرها في الشخص القائم بها، يُحكم عليه بالإعدام؛ ونحن كما بيّنا سابقًا فإن كل عمليات الإعدام لم تكن على الدوام مطابقة لشروط هذه الأحكام الشرعية. ويمكن الإطلاع على نماذج من هذه الفتاوى بالمكتبة السُليمانية.

والسؤال الذي قد يطرح نفسه هو: هل كان هناك ما يبرر هذه التطبيقات من قتل في سبيل مصلحة الدولة؟
نقول أنه كان أهم خطر يهدد الدولة العثمانية وكيانها هو لجوء الأمراء إلى الأعداء، أو ادعاء بعض آل عثمان الحق في العرش والسلطنة، ورغبة الدول الأجنبية ولا سيما "بيزنطة" وإيران الاستفادة من هذه الفرص. وقد أدرك سلاطين الدولة العثمانية خاصة المتقدمين منهم أنهم مكلفين بنشر كلمة الإسلام وضرورة المحافظة على كيان الدولة التي تحمل لواء الدين، حتى وإن كلفهم هذا قتلهم لأبنائهم وأخوتهم. ولعل أبرز كلمة لسلطان عثماني توضح هذا المبدأ الذي أعتقدوه، هي كلمة السلطان "محمد الفاتح": "إن المقصد الأعلى لهذه العائلة هي إعلاء كلمة الله". ولكن للأسف أتى من بعده من نقض هذا المقصد.
والنتيجة التي نخلص إليها أن مسألة قتل الأخوة لم تظهر لتسهيل التصرف الكيفي للحاكم في قتل من تهوا نفسه أن يُقتل، بل لصيانة ما يعرف في الدولة باسم "نظام العالم" بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، ويجب كذلك ألا ننسى أن عقوبة خيانة الوطن والتحالف مع الأعداء في كل نظام في العالم هي الإعدام.

وكانت عملية الإعدام تتم بعد تصديق السلطان عليها، وهي شرط من شروطها ولعل ذكر نص وثيقة من وثائق المتعلقة بمعاقبة الجناة يفيد توضيح هذا الأمر: "قبل محاكمة المتهمين، أو قبل ثبوت التهم الموجهة قانونيا، لا يجوز للمسؤولين القيام بتحصيل غرامات العقوب وإطلاق سراح المتهمين، كما لا يجوز لهم تطبيق أي عقوبة عليهم". وحسب النتائج التي وصل إليها الباحث المدقق "عبد القادر أوزجان" فإن فتاوى "القتل سياسة" كانت تصدر من شيوخ الإسلام أو القضاة الآخرين مثل "سعد الدين" أو "بوسطانجي زاده" وغيرهم ثم يُصدق عليها من جانب السلطان؛ من أجل صيانة "نظام العالم" أي المجتمع.
فبناء على ما سبق فإن شرح وتوضيح الجانب العملي من هذا التنظير الفقهي الشرعي القانوني هو أهم ما في الموضوع. فمع وقوع حوادث "القتل سياسة" بكثرة في التاريخ العثماني على المواطنين أو رجال الدولة في بعض الأحيان؛ فإن سوء الاستغلال لهذا القانون شاب المسألة وأن قسمًا من الفقهاء والقضاة غير المؤهلين أعطوا قالب شرعي لمن يقوم بعمليات القتل هذه من قبل بعض السلاطين.    

وعمليات التمرد في تاريخ الدولة العثمانية من قبل الأمراء أولاد السلاطين تشغل حيز بارز في التاريخ العثماني، وقبل التفصيل فيه يجب التأكيد على أن إعلان تمرد أمير على أمير آخر اُعلن عن سلطنته، والمطالبة بالعرش بدلا منه، وتجميع القوات لتنفيذ هذا المطلب بالقوة هي جريمة عقوبتها الإعدام، فإن أعدم بعد عصيانه فذلك للعصيان الذي قام به، وإن كان قبل ذلك بعد توفر أدلة قوية ضده توضح نيته للقيام بذلك فهذا "قتل سياسة"، أما لو لم تتوفر أدلة ضده ولا قام بعصيان وتم قتله فهذا القتل ظالم. ولننظر إلى حوادث القتل التي تمت بناء على هذا المنظور:

أ- وقعت ثلاث حوادث قتل في عهد السلطان أورخان، وكانت عقوبات لجرائم البغي أي عصيان الدولة، ومن المعروف تاريخيا أم شقيقي السلطان وهما "خليل" و"إبراهيم" أعلنا العصيان ضد السلطان ودخلا في نزاع على السلطنة. كذلك في عهد السلطان "مراد الأول" -كما ذكرنا في المقال الأول- قام بقتل ابنه بناء على حكم شرعي بعد تعاونه رسميا مع "بيزنطة" وهجومه على الجيش العثماني، ووقوعه في الأسر.

ب- في عهد السلطان "يلدرم بايزيد" وقع أول "قتل سياسة"، ويُفترض بصورة ما أن شرط هذا القتل وعناصره لم تكن متوفرة، وأن أحتمال قتله ظلما أحتمال كبير. وشقيق السلطان الذي أعدم هو "يعقوب"، وذلك بوشاية ممن حول السلطان، دون أن يقوم هذا الشقيق بأي عصيان أو الدخول في أي نزاع على السلطنة؛ وذلك لحجة واهية وهي الحيلولة دون قيامه في المستقبل بشيء كهذا. ويؤكد المؤرخون العثمانيون على أنه أول أمير قُتل" في تاريخ الدولة من أجل "السلطنة".

 جـ- فيما يعرف في التاريخ العثماني بعهد "الفترة" والذي يعد أكثر عهود الدولة اضطرابًا وفوضى، قام السلطان "محمد جلبي" المعروف بـ "محمد الأول" بقتل أخويه "عيسى جلبي" و "موسى جلبي" لقيامهما بالعصيان وتسيير الجيوش من أجل السلطنة، أي طبق عليها عقوبة البغي، والشيء نفسه ينطبق على إعدام شقيقه "مصطفى جلبي" فيما بعد، وهنا لا مجال للحديث عن "القتل سياسة".

د- دخول السلطان "بايزيد الثاني" ابن السلطان "الفاتح" في نزاع طويل مع عمه "دوزمجه مصطفى" على السلطنة، فقام الأخير بالاتفاق مع "بيزنطة" على اقتسام المملكة العثمانية، وتحالف مع الإمبراطور البيزنطي بخصوص هذا، فألقي القبض عليه وأعدم.

هـ- قيام السلطان "سليم الأول" بقتل أخويه الأمير "كوركود"، و الأمير "أحمد"، فالأول قام بتجميع جيشًا وأعلن العصيان ضد الدولة، أما الثاني فلم يكتفِ بإعلان العصيان بل اتفق مع أعدى أعداء الدولة العثمانية، وهي الدولة الصفوية ضد أخيه.

و- الواقعة الأليمة الظالمة للأسف الشديد التي وقعت في عهد القانوني، وهي إعدامه للأمير "مصطفى" ابنه بناء على وشاية من بعض الخونة. وللمزيد حول الحادثة راجعها عبر الرابط الآتي: http://bit.ly/12qQExg

ز- المأساة التي وقعت بين السلطان "سليم الثاني" والأمير "بايزيد" ابنا السلطان "سليمان القانوني"، فعلى الرُغم من أنهما عاشا بوئام حتى عام 1558، إلا أن العلاقة قد ساءت بينهما فيما بعد بسبب شهوة السلطنة والحكم، وبسبب الوشاة الذين وقعوا بينهما، وذكر جزء من القضية في الرابط السابق. فجمع "بايزيد" جيوشا وتوجه لقتال سليمان، ثم فر بعد ذلك والتجأ إلى إيران التي قامت بتسليمه إلى سليمان، فأُصدر الحكم بإعدامه.

ح- السلطان مراد الثالث وكان رجلا ضعيفًا جدا، تدخلت النساء في عهده في الحكم بدرجة كبيرة، لدرجة وصول الأمر للجواري! وعلى الرغم من علمه الكبير وإتقانه للعربية والفارسية ونظم الشعر بهما، إلا أنه كان يحب النساء بشدة. وقد قام هذا السلطان بإعدام 5 من أخوته بناء على وشاية ممن هم حوله، وبناء على فتاوى ضعيفة لا تنطبق عليها الشروط كاملة.

ط- السلطان محمد الثالث ابن السلطان مراد الثالث، وكان رجلا أبعد ما يكون عن الأحكام الشرعية، فأمر بقتل 19 أخًا بريئًا و 30 بنتًا! وبالإضافة لهذا قام بقتل ابنه الأمير "محمود" نتيجة عن وشاية واهية ممن حوله.

ي- في عهد السلطان "أحمد الأول" جرى تغيير مهم في قضية نقل السلطنة، حيث نُص على تولي الحكم بناء على الإنتقال العمودي للنسب في السلطنة، أي الانتقال إلى أكبر فرد في آل عثمان، فعندما توفى السلطان أحمد الأول، خلفه على العرش ابنه الأكبر السلطان "مصطفى الأول"

حسنا نختم بمسألة قتل السلطان "محمد الفاتح" لأخوه الرضيع ذو الستة أشهر وحقيقتها.  وقبل الشروع في الرد، يجب التأكيد على أنه لا يمكن الدفاع عن شيء كهذا حدث أبدا، فمسألة قتل طفل رضيع تحت أي سبب مسألة غير مقبولة إطلاقًا، لذا سيكون ردًا علميًا بعيدًا عن أي مشاعر أو عواطف مرتبطة بحبنا لشخصية "الفاتح" رحمه الله.

يجب النظر إلى مسألة قتل الفاتح لأخيه الرضيع من عدة زوايا وتحليلها بناء على قانون قتل الأخوة السابق، فنقول:
1- هذه الفرضية حادثة مشكوك في صحتها، لأن قسم من المؤرخين -حتى الأجانب منهم الغير مسلمين- مثل المؤرخ الروماني "Cantemir" ذكروا بأن السلطان "مراد الثاني" والد السلطان "محمد الفاتح" عندما توفى كان كل أبناءه الذكور قد توفوا عدا الأمير "محمد"، ومن ضمنهم الأمير "أحمد" الذي كان واليًا على "آماصيا". وفي هذه الحالة تنتفي صحة هذا الادعاء بأن الأمير أحمد قُتل وهو طفل رضيع.

2- هناك بعض المصادر التاريخية التي تؤيد وقوع هذه الحادثة، ولكنها تَذكُر أن قاتل الأمير "أحمد" هو شخص يُدعى "أفرانوس زاده علي بك" وأن السلطان الفاتح أعدمه بعد ذلك.

3- تذكر بعض المصادر بأن المربية التي كانت موكل إليها أمر العناية بالطفل الرضيع "أحمد"، انشغلت لبعض شأنها بينما كانت تغسله؛ فوقع في حوض الماء .. فمات مختنقا غرقا قبل أن تتداركه الأيدي التي امتدت لإنقاذه بعد فوات الأوان.

4- هناك بعض المصادر التاريخية التي تذكر أن السلطان "مراد الثاني" والد السلطان "الفاتح" أنجب من زوجته "خديجة خاتون" أميرًا اسمه "أحمد"، وانه قُتل بعد فترة قصيرة من ارتقاء "الفاتح" العرش، بيد أنه لا توجد تفاصيل حول هذا القتل، كالتفاصيل الموجودة في قتل إعدام الأمراء الآخرين، كما لم يُعرف بالضبط كم كان عمره عندما قُتل، عدا إشارة من المستشرق الألماني "فرانتس بابنگر" الذي قال بأن عمره كان ستة أشهر.

5- كانت الظروف التي أعتلى فيها السلطان الفاتح العرش ظروفًا شديدة الاضطراب في عمر الدولة خاصة بعد وفاة والده السلطان "مراد الثاني"، كما أن المؤرخين البيزنطيين والموالين لهم كارهي "الفاتح" اعتادوا الهجوم على السلطان بشدة وإلصاق أكاذيب حوله، فهم كثيرو الادعاءات الكاذبة.

وبناء على ما سبق، فليس هناك دليل تاريخي صحيح على صحة هذا الادعاء المنسوب للفاتح رحمه الله.


المصدر: الدولة العثمانية المجهولة، 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية، أحمد آق گوندوز، سعيد أوزتورك، وقف البحوث العثمانية، 2008 ص129-138 ، ص266-268 بتصرف.